نجوى بابو تكتب: ستائر الزيف ونبوءة التشظي

ستائر الزيف ونبوءة التشظي
نجوي بابو
٢٧ اغسطس ٢٠٢٦
لا تمثل الحروب الأهلية في جوهرها مجرد صدامات عسكرية على تخوم الميدان، بل هي معارك وجودية تستدعي فيها الأطراف المتصارعة أسوأ ما في الترسانة الأيديولوجية لتبرير الدماء وتغطية العجز عن إدارة الدولة. وفي المشهد السوداني المعقد، تبرز الحرب الدائرة الآن كنموذج مأساوي للصراعات التي تتستر تعسفاً تحت أردية الدين والأخلاق، وتجد لها في منابر جماعات البلابسة ستائر روحانية وتبريرات اخلاقية باسم الكرامة وعقائدية زائفة لإدامة أمد الاقتتال وحشد المكونات الاجتماعية خلف لافتات مقدسة. إن هذا التوظيف السياسي الممنهج للمقدس يخفي وراءه عجز سلطات الأمر الواقع في بورتسودان عن تقديم مشروع وطني جامع، ويقود البلاد بخطى متسارعة نحو فخ التقسيم والتشظي وتحويل السودان الواحد إلى دويلات متناحرة ومغلقة جغرافياً، وفي ظل وجود برتوكولات المناطق الثلاث ( النيل الأزرق ،أبيي وجبال النوبة) ،قضية دارفور ، تململ اهل شرق السودان وغضب أهلنا النوبيين في شمال السودان نحزر المركز السياسي والبلابسة ان يفكروا بالعقل وليس العاطفه ( مابشبهونا) هنا حيث يفقد المركز سلطته الأخلاقية والقانونية ويتحول الخطاب الإقصائي إلى معول لهدم ما تبقى من جسد الدولة والنسيج المجتمعي العظيم.
تثبت تجارب الأمم أن الحروب التي ترتدي مسوح الدين وتتغذى على التحريض العقائدي هي الأشد فتكاً والأكثر استعصاءً على الحلول السياسية التقليدية فالخلاف السياسي يمكن تسويته عبر التنازلات المتبادلة والمواثيق المشتركة، أما الصراع حين يُلبس رداء الروحانيات فإنه يتحول في مخيلة مروجيه إلى معركة صفريّة بين المطلق والباطل ونحن وأنتم مما يرفع كلفة التنازل ويجعل من سحق الآخر أو الانفصال عنه خياراً وحيداً. إن جماعات البلابسة ومنظري حرب الاستنزاف، عبر تبنيهم لخطاب التخوين وسحب الهويات ومصادرة الأملاك وتجريد مكونات جغرافية أصيلة كأبناء كردفان ودارفور والنيل الازرق من ممتلكاتهم ، يدفعون هذه الأقاليم قسراً نحو الكفر بالمركز والبحث عن صيغ سيادية بديلة لحماية وجودها وحقوقها المالية والمدنية، مما يحول نبوءة التقسيم من مجرد هاجس سياسي إلى حتمية جغرافية تصنعها الممارسات الإقصائية للسلطة نفسها التي تدير ظهرها للعدالة.
تشظي البلاد إلى أكثر من دولة في داخل السودان يمثل الانهيار الكامل لالتزامات السيادة الوطنية ومواثيق الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة التي تقوم على احترام الحدود الموروثة. إن استخدام أجهزة الدولة وإعلامها الرسمي لبث الكراهية وتبرير الانتهاكات بستائر روحانية يسقط أية شرعية إجرائية أو دستورية للبرؤن الارهابيين وحكومة الامر الواقع ويضع البلاد تحت طائلة التفتت الإداري والأمني، حيث تولد الدويلات الجديدة من رحم المعاناة الإنسانية وغياب التنمية المستدامة. وفي مواجهة هذا الانحدار، تبرز الحاجة الملحة لقوى الاستقرار وحكومة السلام والوحدة الانتقالية لتاسس أطر الحكم الفدرالي وثني القوانين لحماية حقوق المواطنين، وتفكيك هذه الستائر الزائفة من خلال برامج تنموية حقيقية كحصاد المياه وإعمار الطرق والتعليم، لإثبات أن وحدة السودان لا تحميها البنادق والخطب الدينية المنافقة، بل تصنعها العدالة بإنصاف، وصون كرامة الإنسان، والاعتراف بالتنوع كقيمة سيادية عليا فوق كل تضليل.




