رأي

أخلاق العقد الوجودي: الإنسانية مرجعيةً للسيادة في السودان

نجوى بابو

من منطلق الالتزام الوجودي والأخلاقي الصارم بحراسة حق الإنسان في الحياة، فإن وقف إطلاق النار الفوري وفتح خطوط وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق هما الأداتان الأساسيتان اللتان تُثبتان حسن النوايا، وتبشران ببدء أي حوار جاد يصب في الترتيبات المستدامة للسلام والاستقرار في السودان لعام 2026. إن استمرار تفاقم الحالة الإنسانية الكارثية في إقليم كردفان، وولايات دارفور، ومنطقة النيل الأزرق يضع الضمير الوطني أمام خيارين لا ثالث لهما إما الاستسلام لمعركة عقيمة لتصفية الحسابات وتصفير العدادات السياسية بين أبناء الشعب السوداني، أو التحرر الشجاع من قيود الماضي البائسة وإيجاد صيغة سياسية دستورية جديدة مواكبة للراهن السوداني، تُنهي عهد تبادل الاتهامات النخبوية بينما يموت المواطنون الأبرياء من الجوع والمرض تحت وطأة الحرب والحصار.

يُعتبر استخدام بيروقراطية التجويع أو إعاقة قوافل الإغاثة الدولية سلاحاً من أسلحة الحرب، وهو ما يشكل انتهاكاً جسيماً لالتزامات القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف المعنية بحماية المدنيين. إن الأصلح والأوجب قانوناً في هذه المرحلة التاريخية الحاضرة هو الانحياز المطلق لمعاناة المواطنين، والاستفادة البراغماتية الذكية من أي مبادرة تطرحها الأطراف الوطنية أو الإقليمية لتحويلها إلى منصة لحقن الدماء، والعمل بالتوازي على مناقشة جذور الأزمة من داخل منصات الحوار المتاحة وعبر القواعد الحية. إن الرفض المطلق لكل جديد والتمترس خلف فكرة أن كل أطروحة سلام هي مجرد خداع حرب ليس سوى مظهر من مظاهر التحجر الفكري وعقيدة الارتياب التي تعيد إنتاج الاستبداد؛ فالسلطة التي تعجز عن إطعام مواطنيها وتأمين دوائهم تفقد مبرر وجودها الدستوري والأخلاقي، وتتحول من حارس للعقد الاجتماعي إلى أداة لتقويضه.

تتجاوز الجدارة الأخلاقية في فلسفة الصمود الراهنة ترف التنظير الحزبي المعزول في الفنادق والقاعات المغلقة؛ إذ لم تعد هي القنوات الوحيدة التي يمكن أن تأتي بالسلام في ظل وجود طرق مبتكرة للتعبير والاجتماعات عابرة للحدود الرقمية والواقعية، من وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات الإلكترونية عبر تطبيقات الاتصال المرئي، وصولاً إلى اجتماعات القواعد الاجتماعية الحية تحت الركوبة وظلال الأشجار في الميدان. فالشرعية الفعلية لم تعد ملكاً لبيروقراطية بورتسودان المعزولة ولا للنخب السياسية الهرمة التي تتاجر بأوجاع الهامش منذ عقود من الزمان وهم يقطنون مع أسرهم في العواصم الآمنة بعيداً عن معاناة مجتمعاتهم التي تكابد الموت يومياً في معسكرات النزوح، والتشريد، والمرض، والعوز. إن المواطن السوداني الذي يعاني الأمرين يطالب بوقف عاجل ومباشر لآلة الحرب، وفتح فوري للممرات الآمنة لوصول المواد الغذائية لإنقاذ أرواح أبنائه، بعيداً عن النفاق السياسي وصراع الامتيازات الفوقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!