رأي

نجوى بابو تكتب: الرّدّة الدامية

الرّدّة الدامية

نجوى بابو

تُعلمنا الفلسفة السياسية أن الحروب هي المختبرات الوجودية الأكثر قسوة؛ حيث تُعاد صياغة الهويات، وتُبعث من خلالها الأجساد السياسية الميتة. وفي السودان اليوم، تحولت الحرب الدائرة من سياقها العسكري الصرف إلى مسرح عبثي تتقاطع فيه سرديتان متناقضتان: سردية “حرب الكرامة” التي يرفعها الجيش ومؤيدوه، وسردية “حرب الندامة” التي يعيشها المواطن المشرد فوق ركام مدنه المدمّرة. وفي كواليس هذا المسرح، تبرز واحدة من أخطر الظواهر السياسية: تسلق كوادر الصف الأخير من حزب المؤتمر الوطني (المحلول) إلى سدة المشهد.

لقد وجد تيار النظام القديم في هذه الحرب الملجأ المثالي للهروب من مقصلة التاريخ، والتبرؤ من إرث ثلاثين عاماً من الفشل الذي توّجته ثورة ديسمبر 2019. ومن خلال تبني شعارات الاستنفار، أعاد الحزب تقديم نفسه كحامٍ لبيضة الدولة، في محاولة واضحة لغسل الخطايا السياسية بالدماء المهدورة في الميدان.

ومع تواري قيادات الصف الأول التاريخية خلف الستار إما انشغالاً في مختبراتهم السياسية بابتكار ترياقٍ يداري سوءة تفريخ أوبئة المليشياتاو كيفية تهجينها وتصديرها للعمالة الخارجية كأكباش فداء، أو ارتحالاً إلى العواصم الخارجية لتشكيل شبكات إجرامية تقتات على تجارة السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر وارض الوطن فوجدت الكوادر الوسيطة والوجوه الظلية الغير مؤهلين للحكم نفسها أمام فرصة تاريخية. لم يصعد هؤلاء عبر مراجعات فكرية أو صناديق اقتراع، بل عبر ميكافيلية نفعية واستثمارٍ فجّ في الفوضى، متخذين من مساندة العسكر رافعة سياسية وحيدة لإعادة فرض أنفسهم كلاعب أساسي في مستقبل البلاد.

تأسيسًا على ذلك، يصبح الصعود الانتهازي لكوادر الصف الأخير من النظام القديم مؤشراً على إفلاس سياسي أعمق، يُراد منه تحويل السودان إلى رهينة دائم للاستقطاب العسكري. غير أن استثمار الفوضى لإعادة إنتاج شمولية مشوهة هو رهان صفري لن يقود البلاد إلا إلى مزيد من التشظي. إن الوعي الجمعي السوداني الذي فكّك أركان الدولة العميقة” في ٢٠١٩ ليس غائباً عما يدور في كواليس المسرح، ولن تنطلي عليه سرديات التخوين والإنقاذ الزائف. فالاستقرار لن يتحقق بإعادة تدوير الوجوه الظلية، بل بإنهاء هذه الحرب العبثية، وقطع الطريق أمام تجار الحروب، واسترداد مسار التغيير المدني الذي دفع الشعب ثمنه غاليًا من دمه وعرقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!