رأي

الجيش السوداني: كيف أُفرغت المؤسسة العسكرية من الكفاءة لحساب الولاء التنظيمي؟

الجيش السوداني: كيف أُفرغت المؤسسة العسكرية من الكفاءة لحساب الولاء التنظيمي؟

بقلم: الدكتورة  اخلاص قرنق 

منذ انقلاب 30 يونيو 1989، لم تكن الأزمة السودانية مجرد صراع بين العسكريين والسياسيين، بل كانت، في جانب مهم منها، عملية طويلة لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة، وفق معايير جديدة للولاء والانتماء.

كان الجيش السوداني، كأي مؤسسة عسكرية وطنية، يفترض أن يقوم على المهنية والانضباط والتدرج العسكري والكفاءة، وأن تكون الرتبة العسكرية انعكاسًا للخبرة والتأهيل والقدرة على القيادة، لا للانتماء السياسي.

لكن ما حدث بعد انقلاب 1989 غيّر هذه المعادلة بصورة عميقة.

البداية: تفريغ المؤسسة من قياداتها

بعد الانقلاب، جرى إبعاد عدد كبير من كبار الضباط. ففي الأيام الأولى وحدها أُعلن عن إحالة عشرات الجنرالات إلى التقاعد، في خطوة استهدفت إعادة ترتيب قمة القيادة العسكرية. وتؤكد دراسات أكاديمية أن نظام الإنقاذ اتبع منذ بدايته سياسة إقصاء للضباط الذين اعتُبروا معارضين أو غير موالين للتيار الإسلامي، بالتزامن مع إنشاء وتوسيع قوات موازية مثل قوات الدفاع الشعبي. (Cambridge⁠)

لم تكن المشكلة في إحالة الضباط إلى التقاعد في حد ذاتها؛ فالتغيير في القيادات العسكرية أمر طبيعي في الدول.

المشكلة كانت في المعيار الذي يحكم التغيير.

عندما تصبح الأيديولوجيا والانتماء السياسي معيارًا للصعود، تصبح الكفاءة وحدها غير كافية.

وهنا يبدأ الخلل الأخطر: تتحول الرتبة من تكليف مهني إلى مكافأة سياسية.

وتشير دراسات عن الجيش السوداني إلى أن نظام البشير أضعف بصورة متعمدة الأعراف المهنية داخل القوات المسلحة، واستبدل بها تدريجيًا أنماطًا قائمة على الولاء الشخصي والسياسي، مع تزايد أهمية الانتماء الإسلامي في الترقي داخل صفوف الضباط. (Journal of Democracy⁠)

من الجيش المهني إلى الجيش الموالي

بعد إبعاد أعداد من الضباط ذوي الخبرة، ظهرت الحاجة إلى بناء قاعدة جديدة من القيادات.

وهنا لم يعد السؤال: من هو الضابط الأكثر كفاءة؟

بل أصبح، في حالات كثيرة، السؤال: من هو الضابط الأكثر ولاءً للنظام؟

وهذا الفارق، مهما بدا صغيرًا في بدايته، يصنع مع مرور الزمن مؤسسة مختلفة تمامًا.

فالجيش الذي تتم ترقية ضباطه بناءً على الكفاءة ينتج قيادة عسكرية.

أما الجيش الذي تصبح فيه الولاءات السياسية والأمنية عاملًا رئيسيًا في الصعود، فإنه ينتج شبكة من المصالح والولاءات داخل المؤسسة.

وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن النظام الإسلامي بعد 1989 نفذ عمليات فصل وإقصاء واسعة في الخدمة المدنية والقوات المسلحة، واستبدل أو دعم كوادر مرتبطة به سياسيًا وأيديولوجيًا. (Cambridge⁠)

الأخطر: عندما خرج الجيش من الثكنة إلى الاقتصاد

لكن قصة التحول لم تتوقف عند السياسة.

مع مرور السنوات، توسعت المصالح الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، وأصبحت الشركات التابعة للقوات المسلحة أو المرتبطة بها تعمل في قطاعات متعددة، منها الصناعة والزراعة والتجارة والمصارف والخدمات.

وتشير دراسة منشورة عبر جامعة كولومبيا إلى تقديرات لاقتصاديين سودانيين تفيد بأن أكثر من أربعة أخماس الاقتصاد السوداني كان تحت سيطرة عسكرية، مع التأكيد على صعوبة التحقق المستقل من الحجم الحقيقي لهذه السيطرة بسبب تعقيدات الملكية والشبكات الاقتصادية.

كما وثقت دراسات أخرى شبكة واسعة من الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة، من بينها شركات في الزراعة والصناعة والمصارف والاستثمار، بما جعل النشاط الاقتصادي العسكري جزءًا أساسيًا من الاقتصاد السياسي السوداني.

وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما تصبح المؤسسة العسكرية، التي يفترض أن تحمي الاقتصاد الوطني، لاعبًا اقتصاديًا ضخمًا داخله؟

عندها لا تعود العلاقة بين الجيش والاقتصاد علاقة طبيعية.

فالجيش يصبح في الوقت نفسه: حارسًا للسوق، ولاعبًا داخله، ومستفيدًا من موارده.

وهذا يخلق تضاربًا خطيرًا بين وظيفة المؤسسة العسكرية ووظيفتها الاقتصادية.

هل أصبح الاقتصاد في خدمة المؤسسة أم المؤسسة في خدمة الاقتصاد؟

عندما تسيطر مؤسسات عسكرية على قطاعات واسعة من الاقتصاد، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال.

إنه يتعلق بالشفافية.

من يراقب هذه الشركات؟

أين تذهب أرباحها؟

هل تدخل الإيرادات إلى الموازنة العامة؟

من يملك حق معرفة حساباتها؟

ومن يقرر استثماراتها؟

وهل تستطيع الحكومة المدنية، إن وُجدت، أن تمارس رقابتها الكاملة عليها؟

هذه ليست أسئلة عدائية تجاه القوات المسلحة. بل هي أسئلة دولة.

فالجيش الوطني القوي لا يحتاج إلى اقتصاد سري أو إمبراطورية تجارية خاصة كي يحافظ على قوته. بل يحتاج إلى ميزانية واضحة، ورقابة قانونية، وتسليح جيد، وتدريب مهني، وقيادة تقوم على الكفاءة والانضباط الوطني.

النتيجة: مؤسسة ضخمة ولكنها ليست بالضرورة مؤسسة قوية وهنا يجب التمييز بين قوة المؤسسة وحجم المؤسسة.

قد تمتلك المؤسسة العسكرية آلاف الضباط والجنود وشبكة واسعة من الشركات والأسلحة والموارد، ومع ذلك تعاني من ضعف في المهنية المؤسسية.

القوة العسكرية الحقيقية لا تقاس بعدد الجنرالات ولا بحجم الشركات.

تقاس بقدرة المؤسسة على:

* حماية الدولة لا الحزب.

* حماية الدستور لا النظام.

* تنفيذ الأوامر القانونية لا التعليمات السياسية.

* اختيار القادة وفق الكفاءة.

* احترام التسلسل العسكري.

* الخضوع للرقابة المدنية والقانونية.

* الابتعاد عن المنافسة الاقتصادية والسياسية المباشرة.

من يتحمل مسؤولية ما حدث؟

ليس من الإنصاف تحميل كل ضابط أو جندي سوداني مسؤولية هذا المسار.

داخل القوات المسلحة نفسها يوجد ضباط وطنيون ومهنيون، كما أن تاريخ الجيش السوداني أقدم بكثير من نظام الإنقاذ.

المسألة تتعلق بعملية إعادة هندسة مؤسسية استمرت عقودًا.

فالسياسات التي بدأت بإبعاد القيادات وإعادة تشكيل منظومة الترقي والولاء، ثم توسعت إلى بناء شبكات اقتصادية وأمنية موازية، تركت آثارًا لا تختفي بمجرد سقوط نظام سياسي.

ولهذا فإن إصلاح المؤسسة العسكرية لا يعني هدم الجيش. بل يعني، بالعكس، إنقاذ الجيش من التسييس والاقتصاد السياسي وإعادته إلى وظيفته الأصلية.

والسؤال الذي يجب أن نواجهه اليوم

السؤال الحقيقي ليس: هل السودان يحتاج إلى جيش؟

بالطبع يحتاج السودان إلى جيش وطني قوي.

السؤال هو: أي جيش نريد؟

جيشًا تكون فيه الرتبة عنوانًا للكفاءة؟

أم جيشًا يصبح فيه الولاء السياسي طريقًا إلى الرتبة؟

جيشًا يحمي الدولة؟

أم مؤسسة تصبح طرفًا في الصراع على الدولة؟

جيشًا يمول من خزينة الدولة ويخضع لرقابتها؟

أم جيشًا يمتلك اقتصادًا موازيًا لا يعرف المواطن تفاصيله؟

هذه الأسئلة ليست موجهة ضد القوات المسلحة السودانية.

إنها موجهة من أجل القوات المسلحة السودانية.

لأن السودان لن يستطيع بناء دولة مدنية مستقرة، ولا اقتصاد شفاف، ولا نظام سياسي قابل للحياة، من دون مؤسسة عسكرية وطنية مهنية، لا تكون ملكًا لحزب، ولا جماعة، ولا أسرة، ولا شبكة مصالح.

فالجيش ملك للشعب، والرتبة أمانة، والسلاح لحماية الوطن، والاقتصاد ملك للدولة والشعب.

وإذا أردنا أن نبدأ بناء السودان من جديد، فعلينا أن نبدأ من السؤال الأصعب:

كيف نعيد للجيش مهنيته، وللرتبة قيمتها، وللمؤسسة العسكرية استقلالها عن التنظيم، وللاقتصاد حقه في أن يكون اقتصاد دولة لا اقتصاد مؤسسات مسلحة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!