رأي

صوتُ “الأسرى” فى مناطق حكومة تأسيس: مسيراتُ نيالا، المجلد، الفاشر والضّعين

عبدالحفيظ مريود يكتب “بدون زعل”

 

صوتُ “الأسرى” فى مناطق حكومة تأسيس:

مسيراتُ نيالا، المجلد، الفاشر والضّعين

 

……

 

ذات يوم، بُعَيدَ استقلال جنوب السُّودان، ردّدَ سياسيّون وإعلاميّون يتبعون للمؤتمر الوطنيّ بأنَّ الجنوبيين لم يصوّتوا للإنفصال. ما حدثَ هو أنَّ الحركة الشّعبيّة لتحرير السُّودان زوّرت أصواتهم. لا شكَّ بأنَّ هناك جنوبيين مع الوحدة، جنوبيين مؤتمر وطنيّ، شعبيّ، تيّاراتٍ سياسيّة أخرى. لكنَّ ذلك لا يمكنه أنْ يرقى إلي أنْ يكون التصويت لصالح الإنفصال قد جرى تزويرُه. ما الذى وجده الجنوبيّون من الشّمال – الشّمال بحدوده السياسيّة آنذاك – حتّى يموتـ وا فى الوحدة؟ ما ظلَّ يردّده الإسلاميّــ ـون بأنَّ الحركة زوّرَت أصوات الجنوبيين لا يعدو أنْ يكونَ مجرّد عزاءٍ عاطفيّ لفشلهم فى الاحتفاظ بالحدود الموروثة للسُّودان. كما أنَّه – إلي حدٍّ بعيد – ينسجمُ مع الممارسة اللا-أخلاقيّة للإسلامييـ ــن فى مصادرة حقوق الآخرين، أيّاً كانوا، والتفكير نيابةً عنهم، كونهم يملكون وحدهم القدرة على تشخيص مصالح هؤلاء الآخرين.

قبل وقتٍ قصير، قالتْ قيّاديّةٌ فى المؤتمر الوطنيّ والحركة الإسلاميّة، في حوار، إنَّ المواطنين المتواجدين في مناطق سيطرة الدّعــ ـم السّـ ريع هم مجرّد “أسرى”، يحتجزُهم الدّعــ ـمُ السّـ ريع، ولا يملكون حرّية القرار بالبقاء أو المغادرة. يُشبهُ ذلك الزّعم المتكرّر بأنَّ مَنْ أطاح بالبشير ونّظامه هم تيّارٌ داخل الأجهزة الأمنيّة، ينتمي للحركة الإسلاميّة، لا يريدُه أنْ يستمرَّ في الحكم، لا سيّما بعد عزمه خوض الإنتخابات القادمة في 2020م، فقرّر الإنقلاب عليه. ليس ثمّة ثورة ديسمبر ولا يحزنون.

على ماذا تقومُ نظرية المصادرة الكيزانيّة؟

تقومُ على أنَّ الطّرق المستمر على الأكذوبة، إنْ لم يرسخها كحقيقة وحيدةٍ فى الفضاء الملوّث هذا، فإنّه يُضعِف المقولات الأخرى، الحقيقيّة، أو التي تشتمل على بعض الحقيقة. لقد جرى اختبار هذه المسألة أكثر من مرّة ونجحتْ. تتعدّدُ أسباب نجاحها، بالتأكيد، لكنّ الثابت هو أنَّ الباعث الأوّل هو ميلُ السُّودانيين للتصديق، التّدقيق، التحرّي والمنافحة، حياءً أو كسلاً.

شايف كيف؟

لقد خرجتْ مدنٌ فى دارفور، وغرب كردفان في مسيراتٍ جرى توصيفها بأنّها “مسيرات التّعافي”. المسيراتُ أرادتْ أنْ تقولَ شيئاً سبق أنْ قِيلَ بعدّة صيَغٍ ولغات. أرادتْ أنْ تؤكّدَ عليه: لسنا تبعاً لأمنياتكم القديمة. نحنُ نملكُ حقَّ أنْ نختار ونحدّد مسارنا دون وصايةٍ أو مصادرة.

ما الذى يجعلُ قطاعاتٍ عريضة من قبائل رُفاعة الكبرى تنحازُ لخيار الدّعــ ـم السّـ ريع وتأسيس؟

هذا ليس هو السؤال الحارق.

السؤال الحارق هو أنّه بعد أنْ استتبَ الأمر “للجيش والقـ وّات المساندة له” فى ولايات الوسط – كما يقولون – فى سنّار، الجزيرة، الخرطوم والنّيل الأبيض، كانتِ الأخبار تقولُ بأنَّ سجون ولاية الجزيرة وحدها، تضمُ أكثر من 5000 (خمسة آلاف) متعاونٍ ستجري محاكمتهم بتهمة التعاون مع الدّعــ ـم السّـ ريع. دعْ عنك الولايات الأخرى. هل تخلّف المتعاونون – والرّقم الحقيقيّ أكبر من ذلك – عن حواضنهم ، أمْ أنّه موقفٌ، انتماء، وإرادةٌ حرّة؟

لم يَعُدْ موضوع المصادرة فعّالاً كما كان في السّابق. كما لم تَعُدِ السّاحة خاليةً إلّا من رواية كذوبة يجري الطّرق عليها. ذلك أنّه بالنّظر إلى تشكيلات تحالف تأسيس العـ رقيّة والجهويّة، سيتبيّنُ أنّها ليستْ جميعاً مكوّنات دارفور وكردفان. بل سيتبيّنُ بأنّها تمثّلُ الجهات السُّودانيّة جميعاً: الشّمال، الوسط، الشّرق، جبال النّوبة، الجنوب الشّرقي. أكثر من ذلك: تضمُ مدنُ دارفور اليوم أطيافٌ من جميع بقاع السُّودان، ضمن النزوح الكبير الذى أفرزته الحـ رب. تتفاوتُ التمثيلات هذه، لكنّها تؤكّد شيئاً واحداً وهو أنّه ليس هناك من مجالٍ للمزايدة أو المصادرة.

شايف كيف؟

يمكنُ لأيّ أحدٍ – فى تشكيلات الموتورين – أنْ يتّهم أيّ أحدٍ آخر، في مناطق سيطرة الجيش بأنّه “متعاون – جنجـ ويديّ – قحاتي”. يفضّلُ الغالبيةُ الاحتفاظ بآرائهم، الصّمت، اتّقاءً للعواقب والمحاكمات وغيرها. وقد أوضحتْ شواهدُ كثيرة منها محاكمات اعتسافيّة وفيديوهات لمواجهات حدثت مع مواطنين وبعض المنظومات الأمنيّة. الخوف هو أبرزُ أدوات الكيزان والبرهان للسيطرة على المواطنين فى مناطق الجيش. ليس فى مقدورك أنْ تقول رأيك.

مَنْ همُ الأسرى في هذه الحالة؟

التعافي هو الذي أخرجَ المدن تهدرُ وتتوشّحُ بثوب الانعتاق من المتاجرة باسمها. من مصادرة صوتها ومواقفها. وليس الأسر.

هل فهمت؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!