شمال الوادي.. شمال الخنوع: هل تكتفي مصرُ بالركوب على ظهرك؟

عبدالحفيظ مريود يكتب : بدون زعل
شمال الوادي.. شمال الخنوع: هل تكتفي مصرُ بالركوب على ظهرك؟
من بين التبريراتِ المثيرةِ للقرف، فيما يخصُّ الغارات الجويّة التي شنّها الجيشُ المصريّ على المعدنيين السُّودانيين، في المنطقة التي اصطلحَ على تسميّتها ب “شمال الوادي”، والتي قلتْ عشرات المعدنيين السُّودانيين، ما كتبه قياديٌّ إسلاميّ بأنَّه كانت هناك عناصرُ من “القوّات المشتركة”، وأنَّ مصر “لا تلعب بأمنها القوميّ”، متسائلاً بوقاحةِ قوّادةٍ متمرّسة “ماذا تفعلُ المشتركة في شمال الوادي؟”. وهو المنطقُ المتماسكُ الذي اهتدى إليه عقله المعطّل. فالمشتركةُ – حسب روايته – ذهبتْ إلى هناك مدجّجة بسلاحها. وهو تهديدٌ للأمن المصريّ. فأنْ يتعاملُ الطيرانُ مع “الجميع”، مشتركة ومواطنين عُزّل، لهو أمرٌ طبيعيّ وبدَهيٌّ.
شايف كيف؟
لم يفتحِ الله على قيادة ما يُسمّى بالجيش السُّودانيّ ببنتِ شفة. كما لم يتسنَ لحكومة كامل إدريس، الذي سمّاه الوليد مادبو ب “العوقة” أنْ تنظرَ في الأمر. بل أكثر من ذلك، فلقد أبدى رئيس الوزراء د. كامل إدريس قلقه على تدهور الوضعِ الصّحيّ الحرج لبابا الفاتيكان. وهو أمرٌ يتماشى مع القضايا الإنصرافيّة التى ظلّتْ تشغل بالَ الرّجل الثمانينيّ الذي جاءت به الحرب أراجوزاً، ليكونَ رئيساً لوزراء “حكومة الجيش”، كما بتتْ تسمّيها الإدارةُ الأمريكيّة، مؤخّراً.
الذين تفاعلوا مع قضيّة المعدنيين ضمن معسكر الجيش، البلابسة، قليلون. وعلى استحياء. أغلبُهم لجأ إلى المبرّرات وإيجاد الذرائع. وصل ببعضهم الحال إلى أنْ يجعلوا المعدنيين غرب أفارقة، وليسوا سودانيين، حتّى. لكأنّما يحقُّ لمصر أنْ تقتلَ الغرب أفارقة حتّى ولو نزلوا ضيوفاً في ديوانِ أبيك.
لكنْ لماذا كان علينا – نحن المهووسين بالعدالة الوطنيّة والسيادة – أنْ نتطلعَ إلى ردّ فعلٍ مختلف عما هو جارٍ الآن؟
بصيصُ أملٍ..بصيصُ احتمالٍ لأنْ يكونَ صدرٌ ما، من صدور البوّابين، يشتملُ على رجولة؟
الخطأ خطؤنا في هذه الحال.
لأنّه في العام 2003م، حدثّني محافظ محافظة أبوحمد، وقد كانتْ قريةً طينيّةً بائسة، مشرفةً على صحراء الضّياع، بأنَّ وحدة الأمن التي تتبعُ للمحافظة رفعتْ إليه تقريراً مدعّماً بالصور والوثائق، يثبتُ أنَّ المصريين تمدّدوا داخل الأراضي السُّودانيّة بضع كيلومترات. قال حملتُ كلَّ ذلك – بعد تشاورٍ مع والي الولاية – إلى النائب الأوّل، علي عثمان محمّد طه. قال إنَّ الرّجل أمره بأنْ يبقي الأمر طىَّ الكتمان، وأنّه سيتشاور مع جهاز الأمن، وسيدفعون بمزيدٍ من الكوادر الأمنيّة للمحافظة، ترفعُ تقاريرها – مباشرةً – إلى الخرطوم، وأنَّ عليه أنْ ينشغل بقضايا محافظته.
شايف كيف؟
جهازُ الأمن الذي يدينُ في تطويره للفريق صلاح قوش. قوش الذي حظىَ بأطول فترةٍ في إدارته. قوش الذي يتّخذُ من مصر وطناً بعد ثورة ديسمبر، والذي تحرسُه المخابراتُ المصريّة.
هل نتوقّعُ اختلافاً ؟ وعلى أيّ أساس؟
عسكريّاً ما يزالُ الجيشُ والأمن بذات العقليّة والولاء الأعمى، النّفسيّة المعطونة في الخنوع والاستتباع، من لدُنْ عبد الفضيل ألماظ الذي أزهق روحه ليلحق بالقطار الذي يحملُ الضبّاط والجنود المصريين، حين طردهم الإنجليز. ذات النّفسيّة الخانعة التي تبيعُ الأرض، في وادي حلفا أو في حلايب. ذات العقليّة التي تستعينُ بالطّيران المصريّ لضرب السُّودانيين في الجزيرة أبا. ذات العقليّة والنّفسيّة التي يستدعيها السيسي، فيهرولُ البُرهان ليتلقّى التعليمات.
سياسيّاً لم يتغيّر شيئ.
كان ثمّة إمكانيّة لإجراء تغيير جذريّ في ذلك لو أُفسِحَ المجال للحكومة المدنيّة التي أتتْ بها ديسمبر. لكنَّ ذلك ضربٌ من المحال، بسبب أنَّ الذين سيقطعون الطريق – باستمرار – جيش الخديويّ المسمّى جزافاً بالجيش السُّوداني.
الخنوعُ الذي سيقودُ البلاد – وندعو الله أنْ يلطف بها – لأنْ تكون محافظةً مصريّة بامتياز.
تحسّس قلبك، سيّدي، فإنْ وجدته يحبُّ الرّقاصات وأبناءهن، فدَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها، كما قال الحُطيئة. وإنْ وجدته غير ذلك، فلهمَّ إلينا في السُّودانويّة المجيدة.
لأنَّ مصرَ لن تكتفيَ أبداً بالرّكوب على ظهرك..
ستطمعُ أكثر.
شايف كيف؟




