صهيل الخيل: تجربتي مع المجلس الاستشاري والإدارات المدنية والمجالس التأسيسية 1- 2

صهيل الخيل: تجربتي مع المجلس الاستشاري والإدارات المدنية والمجالس التأسيسي 1- 2
د. عبد المجيد عبد الرحمن ابو ماجدة
“1”
قبييل إندلاع حرب الخامس عشر من ابريل 2023م كنت في مامورية من الخرطوم الي نيالا ووقتها كنتُ اعملُ في مركز الحدث للاعلام الداعم لمؤسسة الدعم السريع “كصانع اخبار ومحلل إستراتيجي و سياسي” قضيت في نيالا زهاء الشهر وبضع ايام معدودة .
اتصل عليّ الحبيب إسماعيل يحي من ولاية غرب كردفان “النهود” بعد أنْ سلّم عليّ وتفقد احوالي وسألني اين انت الآن فقلت له انا الآن بنيالا وسأعود إلي الخرطوم قريباً فقال لي انتظرني في نيالا انا قادم إليها وفي معيتي وفداً رفيعاً من المجلس الإستشاري والواجهات الاخرى الداعمة لقوات الدعم السربع لتكوين مكتب سياسي بولاية جنوب دارفور .
بالفعل حضر الحبيب “سمعة” ومعه اعضاء وفده الميامين وذهبنا إليهم مع رفاق اعزاء في نزلهم بمنزل إسماعيل بحي المطار لزوم التحية و المجاملة بقدومهم الي نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور .
الحبيب إسماعيل شرح لنا الفكرة والبرنامج الذي أتوا مع وفده من أجله وهم بصدد تكوين مكتب سياسي في نيالا من كل الواجهات المدنية الداعمة لمؤسسة الدعم السريع لإدارة الشؤون السياسية والمجتمعية خاصة في ظل التطورات التي حدثت وهي التوقيع على الوثيقة الدستورية و “ورقة الترتيبات الأمنية” التي تتعلق بدمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني وتلك التي اصبحت القشه التي “قصمت ظهر البعير” وأشعلت الحرب حتى الآن .
إنّ هذه الفكرة التي جاء بها الوفد من الخرطوم في حد ذاتها اشبه بتكوين نواة “لحزب سياسي” في المستقبل يدير العمل السياسي ويكون رافداً سياسياً وفكرياً لمؤسسة الدعم السريع .
تم تحديد موعداً للاجتماع يوم السبت الخامس عشر من ابريل 2023م وخُصص المجلس التشريعي بولاية جنوب دارفور مقراً للاجتماع وبالفعل انعقد الاجتماع وتم إنتخاب الضباط الثلاثة وهم “الرئيس والامين السياسي وامين المال” وكان شخصي تم إنتخابي أميناً سياسياً بالولاية على أنْ تُكمل باقي الامانات لاحقاً .
اثناء المداولات اقتحم افراد من إستخبارات الدعم السريع الاجتماع وطلبوا من الجميع مغادرة المكان لظروف امنية لم يفصحوا عنها أي شيء .
فعند ما خرجنا في الشارع العام ادركنا بأنّ الوضع الامني ليس على ما يرام .
بدات الحركة في الشوارع العامة بنيالا في سكون تام الإّ قليلاً من المركبات والمارة .
تحركتُ من قاعة المجلس التشريعي الي منزلي بحي الرحمن شرق المدينة وكانت الاحوال تدل بأنّ هناك امراً غير طبيعياً سيحدث وعندما وصلت الي طلمبة الدعم السريع بشارع المطار وجدتُ مجموعة من ضباط قوات الدعم السريع “تفول ” الوقود للعربات العسكرية وكان الوضع مرتبكاً حركة غير طبيعية .
في الضفة الاخرى شرق طلمبة الدعم السريع توجد الفرقة الغربية للقوات المسلحة “البرية” تبعد عن الطلمبة أقل من كيلو .
رأيتُ بام عيني عساكر الفرقة الغربية وهم يقومون بحفر الخنادق وآخرين مدججين بالاسلحة والرشاشات فوق اسطح المنازل المجاورة لفندق المطار بشارع المطار .
قبل ما اصل البيت رنّ هاتفي واخبرني شقيقي من الخرطوم بأنّ مجموعة ناس “عليا” استشهدوا في الدبة في طريقهم الي مروي ومعه آخرون .
عندما وصلتُ المنزل بدأت الحرب ولا تسمع خلاف صوت المدافع والزخائر الطائشة مع العلم باننا نقطن جوار قيادة فرقة القيادة الغربية .
“2”
بالفعل بدات الحرب ولا احداً تقريباً من اهل مدينة نيالا ومحلياتها ال “21” محلية كانوا يتوقعون بانْ تشتعل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع .
إستمر هذا الوضع اشهراً عديدة وكانت أشهر مريرة وطويلة اصبح الجيش يدوّن المدينة من كل الاتجاهات لا يفرّق في ذلك بين الاهداف المدنية او العسكرية فالجيش يدوّن بمدافع الهاوان وغيرها من المدافع تدويناً عشوائياً .
إنّ الجيش اعلنها حرب بلا
هوداة “عليا وعلى اعدائي” فاصبح القصف المدفعي هو سيد الموقف وتحليق الطيران الحربي في سماء المدينة لا ينقطع على مدار الاسبوع واصبحت مدينة
نيالا “مدينة اشباح” حزينة وخالية من اهلها بعد ما اجبرهم الجيش بقصفه لهم فتركوا منازلهم وغادروا الي المحليات خارج المدينة باعتبارها اكثر امناً .
في غضون هذه الاوضاع والتداعيات الحربية إستشهد عدداً كبيراً من المدنيين حسب الاحصائات يقدرون باكثر من “ألفي” شهيد .
إستشعر بعض اعيان المدينة الخطر الداهم المحدق بهم فتم تكوين لجنة من الاحياء المختلفة ووجهاء المدينة والغرفة التجارية بنيالا للقيام بمبادرة لوقف القتال بين الجيش والدعم السريع ومعهم الوالي وقتها “هنون” وكنتُ عضواً فيها .
هذه اللجنة ابلت بلاءاً حسناً واوشكت ان تفلح في ايجاد صيغة توافقية بين الطرفين .
إنّ اللجنة كلفتنا مع الدكتور يوسف كبس لصياغة الورقة وعرضها للجنة ومن ثم تقدم هذه الورقة للطرفين للنظر فيها ودراستها ليتم التوقيع عليها بين الدعم السريع والجيش ولكن للاسف هذه الورقة رفضها الجيش وبهذا الرفض فقد انهي الجيش الهدنة التي تمت وانفض سامر اللجنة الاهلية والتي فيها المكتب التنفيذي للادارة الاهلية وبعض اساتذة مرحلتي الثانوي والجامعات إضافة لوجهاء المدينة واعيان الاحياء السكنية .
فمن ضمن اللجنة كان اللواء متقاعد محمد حسن بيرق وكان رجلاً هميماً يذهب الي رئاسة فرقة الجيش يجتمع بهم وياتي الي اللجنة وينورها .
كذلك لا ننسى دور الدكتور عيسى الرضي الذي يكنى في نيالا “بالناظر” هذا الرجل لعب دوراً بارزاً كذلك يذهب ويجتمع بقيادات الدعم السريع ثم يعود الى اللجنة
اذكر من اعضاء اللجنة كذلك الشهيدين الاستاذ باخت والاستاذ حامد سعد والاثنين إستشهدا بقصف مدفعي للجيش كل وأحدٍ في منزله بعد ما انتهت الهدنة .
فتجدد القتال مرة اخرى داخل نيالا وكان قتالاً شرساً فقد فيه الطرفين عدداً من القتلى والجرحى والمصابين .
اثناء هذه المعارك تم تكوين لجنة للجرحى والمصابين لقوات الدعم السريع وكان رئيس اللجنة وقتها العميد الركن احمد سليمان وعضوية بعض الضباط ومستشارين وكنت احد اعضاء هذه اللجنة التي تشرف على الجرحى والمصابين من المدنيين وعساكر الدعم السريع .
إنّ هذه اللجنة وعلى الرغم من شح الامكانات إلاّ انها ادت دورها كاملاً وعملت بالنهار والليل في تفاني ونكران ذات .
“3”
بعد تحرير الفرقة السادسة عشر من قبضة الجيش واصبحت الفرقة الاولى “دعم سريع”جاءت موجهات بتكوين المجلس الاستشاري بولاية جنوب دارفور حسب الوثيقة التي صدرت لهذا الامر .
تم تكوين المجلس الاستشاري وكُلفت كذلك بادارة “الدائرة السياسية” بالمجلس الاستشاري ومشرفاً لبعض المحليات التي تعاني من الصراعات القبلية والنزاعات مثل محلية لبدو التابعة لولاية شرق دارفور والتي حدثت فيها مشكلة كادت ان تعصف بسكان المحلية والمناطق المجاورة لو لا لطف الله والتدخل السريع من الدعم السريع ورجال الادارة الاهلية والمجلس الاستشاري .
كما كلفتُ ايضاً برئاسة لجنة والذهاب الي محلية برام للتفاوض مع قائد اللواء العميد اركان حرب آدم النور بعد تحرير فرقة نيالا ومعي جزءاً من أسرته نزلنا ضيوفاً عند الناظر / يوسف علي الغالي واخبرته بفحوى الزيارة وطلبنا منه باننا نريد ان نجلس مع قائد اللواء فوافق على الفور وذهبنا جلسنا مع قائد اللواء “64” بمحلية برام في اليوم التالي للزيارة ووصلنا معه الى اتفاق بان يسلم اللواء “64” لقوات الدعم السريع مع الادارة الاهلية ببرام مقابل الخروج الآمن للضباط الدناريين وضباط صف والجنود الذين يودون الذهاب الي الخرطوم او أيّ وجهة أخرى مع ضمان توفير الحماية لهم من الادارة الاهلية ليصلوا الي الضعين ومن ثمّ تتولى الادارة الاهلية بالضعين مسؤوليتها في حمايتهم حتى يخرجوا من الحيز الجغرافي لولاية شرق دافور .
للاسف لم يمضي الوقت طويلاً فبعد ذلك باسبوع فقط اي في الثامن من نوفمبر 2023م انسحب الجيش من اللواء بعد ان تم حصاره من قبل متفلتين .
بعد ما انسحب الجيش تعرض مقر اللواء “64” والسلاح الطبي في المدينة لعمليات نهب واسعة شملت المركبات والأثاث والمعدات .
بصفتي مسؤول الدائرة السياسية والمشرف على بعض المحليات عدتُ مرة اخرى الي محلية برام في اطار الوقوف وحلحلة بعض القضايا والمشاكل مكثت فيها ثلاثة ايام كانت هناك بعض التقاطعات و بحنكة الناظر يوسف الغالي واركان سلمه من الادارة الاهلية “العمد” وبعض القادة العسكرين تم طي تلك الصفحة وفتحت صفحات جديدة .
في اطار الحديث ذكر لي السيد الناظر مشكلة حدثت بينهم وبين محلية قريضة تم فيها قتل ثمانية افراد من قريضة .
إنّ هذا الحادث ادى الي قطيعة بين اهل برام وقريضة دام اكثر من ثمانية اشهر فطلبت من الناظر ان يسمح لي بزيارة محلية قريضة المجاورة لمحلية برام فوافق السيد الناظر .
إنّ من جميل الصدف جاءنا في منزل الناظر القائد “الجزام” بعد ما سلم علينا وتحدث مع الناظر وقال له انا غداً عندي زيارة الي قريضة لبعض المهام العسكرية فنسقت معه وفي اليوم التالي ذهبنا مع القائد الجزام الي قريضة وهناك التقينا بالملك عادل الملك ملك المساليت فعاد جزام الي برام بعد ان قضى مهمته الامنية وتركني ووفدي المرافق في محلية قريضة مع عادل الملك ساهرنا الليل ناقشنا معه جملة من القضايا وحدثني عن المشكلة التي حدثت وادت الي قطيعة بينهم واهلهم في برام فطلبت منه ان يقود مبادرة بنفسه ويتواصل مع الناظر لطي تلك الصفحة .
بالفعل نجحت تلك المبادرة وذهب بعض العمد من قريضة الي برام وتبادلات الزيارات وتم حل قضية القتلى واصبح اهل قريضة يذهبون الي سوق برام واهل برام ياتون الي قريضة وانصلحت الحال ولله القوة والمنة .
فمرت الايام حتى اصبح ملك قريضة عادل الملك هو رئيساً للمجلس التأسيسي بولاية جنوب دارفور الذي تم حله الاسبوع المنصرم بمنطوق القرار الرئاسي رقم “19” للعام 2026م .
تجربتي مع المجلس الاستشاري “الدائرة السياسية” اشرفنا على تكوين اللجان المدنية بنيالا شمال وجنوب وما زالت اللجان المدنية تعمل في الاحياء بكفاءة .
فكرة المجلس الاستشاري على الرغم من إنشائه في ظل ظروف إستثنائية بالغة التعقيد وشح في الموارد إلاّ انه عمل بكل طاقاته وادار ولاية جنوب دارفور بكل تقاطعاتها وفلولها بحنكة وتجلد على الرغم من بعض الاخفاقات .
إلاّ انّ المستشار العام النذير يونس احمد مخير ورؤساء الدوائر بالمجلس الاستشاري قدموا نموذجاً طيباً في ادارة الشؤون السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية في ظل الحرب واهوالها والقصف المستمر لطيران الفلول بنيالا إلاّ انهم صمتوا وصبروا وقدموا نموذجاً رائعاً في إدارة الازمات .
المستشار العام ورؤساء الدوائر اليوم يستحقون التكريم لما قاموا به من إدارة ولاية بحجم ولاية جنوب دارفور التي اشتهرت بالتقاطعات السياسية والاجتماعية والامنية .
نواصل




