رأي

جرائم الحرب في السودان بين الضغوط الدولية وتعنت السلطة العسكرية

سهيبة مريش

 

سهيبة مريش

يشهد الملف السوداني في الآونة الأخيرة تحولات لافتة على المستوى الدولي، في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بتداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وتزايد الحراك الدبلوماسي والحقوقي من قبل الدول والمنظمات ذات النفوذ. وقد أعاد التقرير الأخير الصادر عن الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية تسليط الضوء على حجم الانتهاكات الجسيمة المرتكبة في السودان، لا سيما تلك المنسوبة إلى الجيش السوداني، الأمر الذي أثار ردود فعل واسعة على المستويين الإقليمي والدولي.

وأشار التقرير إلى تورط الجيش السوداني في سلسلة من جرائم الحرب والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، شملت القتل العمد للمدنيين، والتعذيب، والاعتقالات التعسفية واسعة النطاق، في مناطق مختلفة من البلاد. ووفقاً للتوثيقات الحقوقية، طالت هذه الانتهاكات نساءً وأطفالاً ومدنيين عزل، ما يعكس نمطاً ممنهجاً من العنف واستخدام القوة المفرطة خارج أي إطار قانوني أو أخلاقي.

ولا تبدو هذه الاتهامات معزولة عن السياق التاريخي لأداء المؤسسة العسكرية في السودان، إذ ارتبط اسم الجيش، منذ تأسيس الدولة الحديثة، بصراعات داخلية وحروب طويلة ضد شعوب البلاد في الأطراف، وهو ما أسهم في تعميق الأزمات السياسية والاجتماعية، وأدى إلى تآكل الثقة الشعبية في دوره الوطني. وقد عززت الحرب الراهنة هذا الانطباع، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن استخدام أساليب قمعية وانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أنها وثقت حالات قتل خارج نطاق القانون، واعتداءات جسدية ونفسية ضد المدنيين، إلى جانب ممارسات تعذيب داخل مراكز الاحتجاز، واعتقالات تعسفية دون إجراءات قانونية واضحة، الأمر الذي يعرّض المحتجزين لخطر جسيم ويشكل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وفي مقابل هذا المشهد القاتم، يعاني الشعب السوداني من تداعيات إنسانية كارثية، في ظل استمرار الحرب وغياب أفق سياسي واضح. فقد أدت العمليات العسكرية والهزائم المتتالية التي مُني بها الجيش، إلى جانب الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، إلى تفاقم معاناة المدنيين، في وقت تركز فيه السلطة القائمة في بورتسودان، برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، على الخيار العسكري، مع إبداء رفض متكرر لمبادرات السلام ووقف إطلاق النار الدائم.

ويُنظر إلى هذا الموقف الرافض للمسارات السلمية باعتباره عاملاً رئيسياً في تعقيد الأزمة الإنسانية، إذ يستمر التصعيد العسكري دون اكتراث بالكلفة البشرية، ما يؤدي إلى مزيد من الضحايا والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية. وتشير تقارير الخبراء إلى أن الحرب أجبرت أكثر من 14 مليون سوداني على الفرار من منازلهم، في واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم اليوم.

كما يواجه ملايين المواطنين خطر الفقر والمجاعة نتيجة توقف الإنتاج الزراعي، وتعطل الخدمات الأساسية، وانهيار النظام الصحي، وانتشار الأوبئة مثل الكوليرا والملاريا، في ظل نقص حاد في الإمدادات الطبية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري حول دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في ممارسة ضغوط حقيقية وفعالة على الأطراف العسكرية، وعلى رأسها الجيش السوداني، لوقف هذا المسار المدمر. فالاكتفاء بالإدانة اللفظية لم يعد كافياً أمام حجم الجرائم والانتهاكات الموثقة.

ختاماً، تظل الحاجة ملحّة إلى تحرك دولي جاد يضع حماية المدنيين في صدارة الأولويات، ويفرض وقفاً فورياً لإطلاق النار، ويدفع نحو عملية سياسية شاملة تفضي إلى سلام عادل ومستدام. كما أن محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تمثل شرطاً أساسياً لإنهاء دوامة العنف، وبناء مستقبل يستند إلى العدالة والاستقرار في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!