رأي

مصر تواصل الدفاع عن نموذج سلطوي عسكري في السودان لم ينتج إلا الخراب

 

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظلت مصر تمسك بخيوط اللعبة السياسية من وراء ستار، تنحاز بوضوح لمعسكر العسكر، وتتبنّى خطابًا يراوح بين دعم “الاستقرار” ورفض “الفوضى”، لكنها في حقيقة الأمر تضع كل ثقلها ضد أي تحوّل ديمقراطي حقيقي. وفي اللحظة التي بدأ فيها المجتمع الدولي – بقيادة الولايات المتحدة – يُصعّد من ضغوطه لفرض تسوية سياسية تُعيد الحكم المدني إلى السودان، خرج الموقف المصري إلى السطح، معارضًا أي مقاربة تستثني العسكريين، ومتمسكًا بإدخال الجيش السوداني إلى طاولة المفاوضات كشرط مسبق لأي حوار.

ففي اجتماعات “الرباعية” التي جمعت واشنطن والرياض وأبو ظبي والقاهرة، برز الخلاف العميق حول شكل المشاركة السودانية. الولايات المتحدة، كما كشف دبلوماسي غربي لموقع “سودان تربيون”، اقترحت إشراك قيادات مدنية من الحكومة التي أطاح بها انقلاب البرهان في أكتوبر 2021، وعلى رأسهم عبد الله حمدوك، لكن القاهرة اعترضت على الفور. وأصرت على أن يكون الجيش السوداني – ممثلاً بقياداته الحالية – طرفًا رئيسيًا في أي نقاش حول التسوية، رغم أن بعضهم يخضع لعقوبات أميركية.

هذا الإصرار المصري لا يأتي من فراغ. فمصر – ومنذ سقوط البشير – تبنّت استراتيجية تقوم على دعم بقاء المؤسسة العسكرية في السودان باعتبارها الحائط الأخير ضد الديمقراطية التي تخشاها القاهرة في جوارها الجنوبي. لم يكن غريبًا أن تكون مصر من أولى الدول التي اعترفت بانقلاب البرهان، ولا أن تعمل، بشكل مباشر أو عبر وسطاء، على إجهاض كل محاولات التسوية التي كانت تعطي وزناً للقوى المدنية.

لكن المستجد اللافت هذه المرة هو تصاعد نبرة واشنطن. إذ صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مؤخرًا بأن بلاده لا ترى حلًا عسكريًا للنزاع في السودان، وبدأت تتحرك في اتجاه فرض تسوية سياسية، بل وعقدت لقاءات مع أطراف مدنية في أديس أبابا، تُدين الحرب، وترى فيها عدوانًا خارجيًا تُستخدم فيه المليشيات لتفكيك الدولة السودانية. هذه الرسائل الأميركية أقلقت القاهرة، لأنها تهدد بفرض صيغة انتقالية لا يكون فيها للجيش الكلمة العليا، وهو ما يتناقض مع مقاربة النظام المصري الذي يرى في الجيش السوداني امتدادًا لنفوذه الإقليمي.

وإذا ما وُضِع هذا الموقف المصري في سياق إقليمي أوسع، نجد أن القاهرة ليست وحدها في هذا الدعم، بل تشاركها فيه بعض العواصم التي تخشى على مصالحها في حال صعود قوى مدنية إصلاحية. لكنها تبقى الأكثر صراحة في هذا الاتجاه، والأكثر تشددًا في مواجهة القوى المدنية، كما أنها تحتفظ بعلاقات متينة مع قادة الجيش، بل ومع عناصر النظام السابق، في تحالف لا يخفى على أحد.

المفارقة، أن هذا الدعم المصري للعسكر يجري في وقتٍ تتصاعد فيه الانتهاكات بحق المدنيين، وتتفاقم الأزمة الإنسانية إلى حد أن الأمم المتحدة وصفت الوضع في السودان بأنه “الأسوأ في العالم”. وفي الوقت الذي يعاني فيه السودانيون من الجوع واللجوء والموت، تواصل مصر الدفاع عن نموذج سلطوي عسكري لم ينتج إلا الخراب.

ما تقوم به القاهرة اليوم هو محاصرة طموحات الشعب السوداني في بناء دولة مدنية حقيقية، وتسويق رواية مفادها أن العسكر هم وحدهم القادرون على حماية البلاد من الانهيار. لكن الواقع يقول إن الانهيار جاء على أيديهم، وأن السلام لن يُبنى على فوهات البنادق، ولا على موائد المخابرات، بل على إرادة مدنية حرة تعبّر عن تطلعات السودانيين.

لقد آن للفاعلين الدوليين أن يدركوا أن التسوية في السودان لن تكون عادلة ولا ناجحة ما دامت رهينة لمطالب حلفاء العسكر. ومصر، إن كانت صديقة حقيقية للشعب السوداني، فعليها أن تكفّ عن دعم الأنظمة القمعية، وتعيد النظر في حساباتها، قبل أن تصبح شريكًا مباشرًا في إطالة أمد الحرب ومعاناة الملايين.

صلاح احمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!