رأي

كيف صادر الإخوان والسلفيون عقل المرأة السودانية؟ (٢-٣)

د. فاطمة الزين الغالي 

د. فاطمة الزين الغالي 

منذ أن تسللت الأيديولوجيا الإسلاموية إلى مفاصل الدولة والمجتمع في السودان، وبخاصة مع صعود تنظيم الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، شُنت حملة منظمة على وعي المرأة السودانية، لم يكن هدفها فقط ضبط السلوك أو فرض الحجاب أو تقنين اللباس، بل كان الهدف الأعمق هو مصادرة العقل، وتدجين الوعي، وتكريس التبعية للرجل ولمؤسسات السلطان باسم الدين.

خطاب السيطرة: الدين كأداة إخضاع

مارس الإخوان المسلمون ومعهم السلفيون إعادة صياغة شاملة لدور المرأة في المجتمع، اعتمدت على خطاب ديني مشوّه ومبتور، جُرِّد من روحه القرآنية الإنسانية، وحُشِد بأحاديث منتزعة من سياقاتها، لتثبيت صورة المرأة كـ”ناقصة عقل ودين”، و”فتنة ينبغي تحجيمها”، و”أداة للإنجاب لا للتفكير”.

لم تُقدَّم المرأة السودانية باعتبارها شريكة في الإنتاج الفكري والثقافي والاجتماعي، بل صُورت في الخطب والدروس والمساجد والإعلام الرسمي ككائن يجب ضبطه، وتقنين تحركاته، وتقييد طموحاته، ومنعه من التطلع للقيادة أو الفاعلية.

تدجين ممنهج: من فاعلة إلى وعاء بيولوجي

تحت تأثير هذا الخطاب، تحوّلت المرأة في المخيال الإسلاموي من كائن حر قادر على الإبداع والمشاركة، إلى وعاء بيولوجي للإنجاب فقط، ومسؤولة حصرية عن “تربية الأولاد وخدمة الزوج”، وهي الوظائف التي لا يُستهان بها من حيث الأهمية، لكنها جرى استخدامها كسقف لا يجوز للمرأة تجاوزه، بل كأداة لحرمانها من التعليم العالي، أو مواقع القيادة، أو حتى التعبير عن الرأي في الشأن العام.

وقد أُريد للمرأة السودانية أن تصبح تابعة طيعة للرجل، مهما كان هذا الرجل جاهلاً أو ظالماً، باعتباره “قوامًا” بصورة مطلقة، وبلا مساءلة، فأُنتج بذلك جيلٌ من النساء المقهورات، بعضهن يحملن الشهادات العليا، لكنهن عاجزات عن كسر الجدار النفسي الذي بنته التيارات المتشددة.

أدوات المصادرة: الإعلام، المناهج، والدولة

مارست الدولة الإسلاموية كل أدواتها لمصادرة وعي المرأة:

• الإعلام الرسمي ضخ صورة نمطية للمرأة “الصالحة” كخاضعة منزوية، بينما يُحتفى بمن تلبّي معايير “الأنوثة المطيعة”.

• المناهج الدراسية صيغت بطريقة تقنع الفتيات منذ الصغر أن العالم العام للذكور، وأن مصيرهن الطبيعي هو البيت فقط.

• الخطاب الدعوي اتخذ شكلًا هجوميًا على كل امرأة تطالب بالمساواة أو تخرج عن قوالب “الفتاة المسلمة الملتزمة”.

النتائج الكارثية

نتيجة لهذه السياسات، أُقصيت المرأة من الحياة السياسية والاقتصادية، وأُضعف دورها في النقابات، وتم التشكيك في أهليتها لتولي المناصب القيادية، بل حُرمت آلاف النساء من فرص العمل أو استُدرجن نحو وظائف غير لائقة تحت ضغط الحاجة والتهميش.

لم يكن الهدف مجرد حماية ما يسمى “القيم”، بل كان الأمر مشروعًا سلطويًا لضمان ألا تكون المرأة منخرطة في أي عملية تحرر جماعية، أو تغيير سياسي جذري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!