
عبد الجليل الباشا
لسانُ المرءِ شهدٌ تشتهيه، وأما حنظلٌ لا حُلو فيه،
من مَلَك اللسان فذاك غُنم، وليس الغُنم مالًا نقتنيه.
أود أن أبتدر مقالي بالإقرار بأنني لست إعلاميًا، فللمهنة أهلها من حيث الاختصاص والتجربة العملية، وبالتالي فإن أهل مكة أدرى بشعابها. ولكن ما دفعني لتناول هذا الموضوع هو أنني لاحظت من خلال مشاركتي في الاجتماعات واللقاءات والورش التي تنظمها القوى السياسية والاجتماعية والمهنية والنقابية الداعية لإيقاف الحرب ومدنية الدولة، بأن قضية الضعف الإعلامي كانت وما زالت تحتل الصدارة في الموضوعات المثارة أثناء المداخلات والحوار، باعتبار أن الآلة الإعلامية الكيزانية قد تمكنت من شيطنة قوى الثورة، ووضعتها في قفص الاتهام، مما ساهم في عزلها عن الجماهير، وعليه أصبحت في حالة دفاع بدلًا من الهجوم.
بالرغم من أن هذا الحديث فيه نوع من التضخيم لدور الإعلام الكذوب، الطبال لأحفاد غوبلز في سعيهم اليائس لتضليل الرأي العام وتغبيش الوعي الجماهيري لمواراة سوآت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، لا سيما وأن هذه السردية تجهل بشكل كبير الجهد المبذول في هذا المضمار رغم قلة الإمكانات وشُح الموارد. ولكن كما يقول المثل الشعبي: (العود لو ما فيه شق ما بقول طق).
وهنا تحضرني مقولة “هربت شيللر” في كتابه التلاعب بالعقول: “أعطني إعلامًا بلا ضمير، أعطك شعبًا بلا وعي”.
وعليه، يمكن القول إن هذه المخاوف والتحذيرات لم تنبع من فراغ، بل مبنية على شواهد ووقائع تؤكد محاولات إعلام الفلول لتضليل البسطاء من عامة الناس بمعلومات مغلوطة لا صلة لها بالحقائق التي لا تنتطح حولها عنزتان، وبالتالي فإن لفت الانتباه لهذا القصور أمر مشروع في ظل الثورة المعلوماتية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، والشركات الإعلامية التي تسخّر إمكاناتها وتقنياتها لمن يدفع أكثر.
إذ لا يمكن أن يكون الاتفاق الإطاري هو سبب الحرب، وقوى الثورة هي الظهير السياسي للدعم السريع في ذهن من لا يعون!؟ كما يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “إن لله عبادًا يُحيون الحق بذكره، ويميتون الباطل بهجره، فيظل الباطل باطلًا متهمًا يُشار إليه بأصبع الاتهام، حتى لا يحيله التقادم والتغاضي عنه إلى حق في ذهن الذين لا يعون، فتستسيغه النفوس على أنه حق.”
فالإعلام يمكن أن تنعكس آثاره إيجابًا أو سلبًا على حياة الشعوب حسب الأهداف المرسومة له، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ بارود صندل في كتابه السودان – الحرب العبثية: من أشعلها وما المخرج؟:
“إن الصحافة التي تحرص على نيل كل الحقوق التي يوفرها لها الدستور والقانون، عليها ألا تنسى التزامها بأخلاق المهنة، وبعدم إثارة الكراهية الدينية أو العرقية أو العنصرية أو الثقافية أو الدعوة للعنف والحرب.”
فالإعلام سلطة تنوير لا تعتيم، وتعليم لا تجهيل، وإشهار لا تشهير، ونقد لا تجريح، وعليه أن يزود الناس بالمعلومات والحقائق والأفكار التي يحتاجون إليها لاتخاذ المواقف والقرارات السليمة.
هذا بعكس الدور السلبي للإعلام، والذي ارتبط بشكل كبير بالأنظمة الشمولية التي حكمت السودان من لدن عبود إلى البرهان، والتي أصبح الإعلام في عهدها يلعب دورًا محوريًا في طمس وتزييف الحقائق لتضليل الشعوب وتغييب الوعي الجماهيري وتخدير عقول الناس، ليضع في قلوبهم الخوف والرعب كي يبقوا بعيدين عما يدور ويُخطط لهم خلف الكواليس.
وغالبًا ما تتداخل مصطلحات الإعلام السالب في المعنى، سواء أكانت دعاية أو معلومات مضللة أو أخبارًا كاذبة، وهي تشير إلى مجموعة من الطرق التي يؤدي من خلالها تبادل المعلومات إلى إحداث ضرر، سواء كان بقصد أو بدون قصد، خاصة فيما يتعلق بالترويج لموقف أو مبدأ أخلاقي معين أو قضية سياسية أو وجهة نظر.
ختامًا: إن معركتنا الحقيقية هي معركة تنوير واستنارة، بحُسبان أن تغيير السلوك يبدأ بتغيير المفاهيم والأفكار، كما يقول خبراء اليونسكو: “ولما كانت الحروب تنشأ في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام.”
ولذلك، فإن تمليك الجماهير الحقائق هو الخطوة الأولى في سُلَّم التغيير، كما يؤكد ذلك رئيس تحرير جريدة نيويورك تايمز بقوله: “إن رأي أي إنسان في أي قضية لا يمكن أن يكون أفضل من نوع المعلومات التي تُقدم إليه بشأنها، أعطِ أي إنسان معلومات صحيحة ثم اتركه وشأنه، سيظل معرضًا للخطأ في رأيه ربما لبعض الوقت، ولكن فرصته في الصواب سوف تظل في يده إلى الأبد.
احجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان، أو قدمها إليه مشوهة أو ناقصة أو محشوة بالدعاية والزيف، إذًا فقد دمرت كل جهاز تفكيره، ونزلت به إلى دون مستوى الإنسان.”
فبدلًا من أن نترك العمل الإعلامي لجهات معينة وهي تعاني من نقطة ضعف أساسية تتمثل في قلة الإمكانات، على القوى الداعية لإنهاء الحرب وتحقيق التحول المدني الديمقراطي أن تتحول جميعها إلى آلة إعلامية، بحيث تركز على نقطة قوتها المتمثلة في الكادر البشري الواسع الانتشار داخل وخارج السودان، ولكل منا دائرة تأثيره، سواء كان على مستوى الأسرة والأهل أو المعارف والأصدقاء، أو كيانه أو مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة أو الظهور في القنوات الفضائية.
وفي تقديري الشخصي، أن تنفيذ هذه الفكرة ولو بنسبة ٥٪ سوف يشكل فارقًا كبيرًا في وحدة الصوت المدني وهزيمة دعاة الحرب والشمولية.
عبد الجليل الباشا محمد أحمد




