
مها الهادي طبيق
برزت حكومة التأسيس كمحاولة لاستعادة زمام المبادرة من قلب الهامش ، واسترجاع القرار السوداني من قبضة مراكز النفوذ التقليدية . غير أن إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه هذه الحكومة هو ضعف الإدارة المدنية ، بوصفها عماد الدولة ومحركها الأساسي نحو الاستقرار والتنمية .
ضعف الكوادر الإدارية الموروثة من عهد البشير . ورثت حكومة التأسيس جهازا إداريًا متضخما ومتهالكا ، يُعد امتدادًا لسياسات التمكين التي انتهجها نظام الإنقاذ على مدى عقود . هذه الكوادر ، التي بُنيت على مبدأ الولاء لا الكفاءة ، تعاني من نقص حاد في الكفاءة الفنية ، حيث تغيب الخبرات التخصصية اللازمة لإدارة قطاعات حيوية مثل الصحة ، والتعليم ، والبنية التحتية .
بالإضافة إلي إنعدام التأهيل المهني نتيجة تدهور مؤسسات التدريب والإدارة خلال العهد البائد ، وتحويل الخدمة المدنية إلى منصة للمحاصصة .
كذلك الضعف في فهم العمل المؤسسي المدني بسبب هيمنة الطابع الأمني والحزبي على مفاصل الدولة ، مما ولّد عقليات تتعامل مع المؤسسات كأدوات نفوذ لا كأوعية للخدمة العامة .
وأبرز مثال على ذلك هو تعثر عمليات الإغاثة في المناطق المحررة ، نتيجة عجز السلطات المدنية عن التنسيق المؤسسي ، وضعف قدرتها على التخطيط التنفيذي ، وغياب أنظمة المتابعة والتقييم .
كما أن غياب الخطة الواضحة في إدارة المرحلة الانتقالية رغم الجهد الثوري الذي أفرز حكومة التأسيس ، فإن غياب خارطة طريق إدارية واضحة يُهدد استدامة هذا المشروع . ويتجلى ذلك في :
أولا/ الارتباك في تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية ، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاع .
ثانيا/ غياب هياكل واضحة لتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين الحكم المركزي والمحلي .
ثالثا/ بطء في إنشاء بيئة مؤسسية قادرة على استيعاب مطالب الثورة وإدارة التنوع الجغرافي والثقافي .
رابعا/ إدارة مرحلة انتقالية بهذه الدرجة من التعقيد تتطلب تخطيطًا دقيقًا يستند إلى رؤية واضحة ، محددة الأهداف ، تتجاوز الشعارات نحو آليات تنفيذ عملية وواقعية .
الأسباب البنيوية لضعف الإدارة المدنية . هذا الضعف مرتبط بجملة من العوامل البنيوية ، أهمها :
- التركة السياسية الثقيلة حيث جرى تفكيك الخدمة المدنية لصالح التمكين السياسي ، مما أدى إلى انهيار البنية الإدارية للدولة .
- ضعف الإرادة السياسية للإصلاح الجذري: إذ تغلب الحسابات التكتيكية على القرارات الإستراتيجية ، ما يُعطّل أي خطوات فعلية لإعادة بناء مؤسسات الدولة .
- سوء التنسيق المؤسسي: نتيجة غياب مركز موحد للتخطيط ، وتداخل الصلاحيات ، وافتقار الكوادر المحلية للتدريب والدعم الفني .
مقترحات موضوعية لمعالجة الأزمة الإدارية . إصلاح الإدارة المدنية بجانب استبدال الأفراد يتطلب إعادة بناء المنظومة برؤية حديثة وشاملة ، عبر ما يلي :
- إصلاح شامل للخدمة المدنية بإطلاق عملية تطهير إداري قائمة على الكفاءة والنزاهة ، لا على الانتقام أو المحاصصة من خلال مراجعة لوائح التوظيف والترقيات وربطها بالأداء والإنجاز ، بدلًا من الولاء السياسي أو الجهوي .
- بناء كوادر مؤهلة من الهامش بإنشاء معاهد تدريبية متخصصة في المناطق المحررة لتخريج جيل جديد من الإداريين وتقديم منح خارجية في مجالات التخطيط ، الحوكمة ، والإدارة المحلية ، مع أولوية للكوادر الشابة من مناطق التهميش .
- وضع خطة استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية بتأسيس “مجلس وطني لإدارة المرحلة الانتقالية” يضم خبراء ، تكنوقراط ، وممثلين من المجتمعات المحلية مع تحديد أولويات واضحة (مثل التعليم ، المياه ، الأمن الغذائي) ، مع مؤشرات أداء قابلة للقياس والمتابعة .
- اعتماد مبدأ الشفافية والرقابة المجتمعية بتطوير أدوات رقابية شعبية لمتابعة أداء المؤسسات وربطها بالمواطنين مع تفعيل الإعلام المهني كأداة رقابية تفضح الإخفاقات وتحفز تحسين الأداء المؤسسي .
لبناء جهاز مدني يستجيب لمشروع وطني جديد ويحمل مشروع حكومة التأسيس يتطلب إعادة هيكلة الدولة على أسس العدالة ، والمشاركة ، والفاعلية . غير أن هذا المشروع سيظل ناقصًا ما لم يُدعّم بجهاز إداري قوي ، مستقل ، وكفء .
فالإدارة هي العمود الفقري للدولة الحديثة . وبدونها ، لن تصمد أي حكومة ، حتى ولو وُلدت من رحم الثورة ، فالمطلوب اليوم ليس فقط تشخيص الأزمة ، وإنما خوض معركة البناء الإداري برؤية جديدة ، تضع الإنسان السوداني في قلب العملية ، وتعيد الاعتبار لمفهوم “الدولة الخادمة” لا الدولة المسيطرة أو المتسلطة .




