مخططات الاخوان وراء حرب السودان (٣-٣)
في طريقهم الطويل للعودة: كيف يخطط الإخوان للهيمنة وصياغة المجتمع من جديد؟

عباس احمد السخي
مع دخول الحرب السودانية عامها الثالث، لم يعد خافيًا أن جماعة الإخوان المسلمين لا تخوض معركتها المسلحة من أجل مواقع محدودة أو نفوذ عابر، بل تسعى لرسم ملامح جديدة لمستقبل السودان، يتصدرها مشروعها الفكري والسياسي الممتد. وبعد أن استعادت قدرًا من قدرتها التنظيمية عبر سيطرتها على قيادة الجيش، بدأت تتضح معالم أهدافها بعيدة المدى، التي تتجاوز حدود الجغرافيا المؤقتة أو المكاسب السياسية الظرفية.
في قلب هذه الرؤية الإخوانية الجديدة، يبرز هدف واضح يتمثل في “إعادة الهيمنة”، لكن بأساليب أكثر ذكاءً من تلك التي طبقت في سنوات الإنقاذ الطويلة. فقد أدرك التنظيم – كما تشير الوثائق المتداولة وتقارير مراكز الرصد – أن العودة إلى الحكم عبر البوابة العسكرية تتطلب هذه المرة إعادة تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يضمن ولاءًا طويل الأمد وتماهيًا مجتمعيًا مع مشروعهم المتجدد.
إحدى أبرز هذه الاستراتيجيات تتجلى في إعادة تفعيل ما يُعرف داخل أروقة الجماعة بمنهج “الصدمة والرعب”، والذي يقوم على استخدام أدوات القمع والعنف المُمنهج لإخماد أي مقاومة محتملة. كشفت الحقائق والمعلومات على الارض خلال سنوات الحرب تفعيل الأجهزة الأمنية وخلايا التصفيات الجسدية التي كانت عماد الدولة الإخوانية، من أجل استهداف النشطاء والسيطرة مستقبليا على الشارع بالقوة الصلبة، بما يُعيد أجواء الخوف والتردد التي عرفها السودانيون في تسعينيات القرن الماضي.
لكن الجماعة لم تكتفِ بإحياء الماضي، بل أخذت العبر منه. فالإخوان يدركون اليوم أن استراتيجياتهم القديمة – خاصة تلك التي تعاملت مع جيل الشباب بشدة وتحجيم – أدت إلى نفور هذا الجيل واصطفافه خلف رموز فنية وثقافية وروحية بديلة، مثل الفنانين محمود عبد العزيز ومصطفى سيد أحمد، أو حتى بعض التيارات السلفية التي ظهرت كبدائل دينية منافسة كتيار الشيخ محمد عبدالكريم. لهذا السبب، ناقش قادة التنظيم في مؤتمر عُقد في تركيا في مارس 2025 ضرورة تجديد خطابهم عبر المزج بين التدين المرن والحداثة، وتوظيف أدوات الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي لجذب اهتمام الجيل الجديد بأساليب ناعمة، تضع أحلامهم في الثراء والرفاه في عباءة المشروع الإخواني المعاد إنتاجه.
وفي السياق ذاته، تسعى الجماعة إلى إحكام قبضتها على مفاصل الاقتصاد الوطني. فهي تعي جيدًا أن المال هو أحد أهم أدوات النفوذ والاستقطاب. حيث اشار تقرير صادر عن مركز العدالة الاقتصادية في الخرطوم نهاية 2024 الى محاولات حثيثة لإعادة هيكلة المشاريع الاقتصادية الكبرى – كمشروع الجزيرة، ومشروعات السكر، والطاقة – لتكون تحت إدارة رجال أعمال موالين للتنظيم. الهدف الاساس هو خلق طبقة برجوازية صغيرة مرتبطة بالإخوان من حيث المصالح والمصير، بما يضمن للتنظيم نفوذًا طويل الأمد في البنية الاقتصادية السودانية، يعزز من حضورهم في السوق والسياسة والمجتمع معًا.
ومع التطور الهائل في تقنيات الاتصال، أدرك الإخوان أن الصراع الحقيقي لم يعد في الميادين وحدها، بل في عقول الشباب وأحلامهم. ومن هنا، جاءت خططهم لإطلاق حملات رقمية هادفة، تتسلل عبر منصات التواصل الاجتماعي، تُروّج لمضامين خطابية ناعمة، لكنها محملة برسائل أيديولوجية موجهة. هذا المحتوى يُقدَّم بلغة قريبة من اهتمامات الشباب، ويتضمن وعودًا بالتمكين الاقتصادي وفرص العمل وريادة الأعمال، ولكن ضمن شروط الولاء للتنظيم وخطابه السياسي.
تلك المساعي لا تنفصل عن مشروع أوسع لصياغة سودان جديد، تحت عباءة إسلام سياسي مموَّه، يوظف أدوات الدولة الحديثة والتقنية المتقدمة لخدمة أهداف قديمة في الهيمنة والتعبئة والتجنيد.
ومع كل ذلك، يظل السؤال الأهم: هل يمتلك الشعب السوداني، وقواه الحية، القدرة على إدراك أبعاد هذه الخطط ومواجهتها بوعي وفاعلية؟ فالإخوان لا يكتفون بالاشتباك مع الخصوم في اللحظة الحاضرة، بل يعملون على هندسة المستقبل نفسه لصالحهم، مستفيدين من فراغ السلطة، وتشتت الصف الوطني، وتعب الناس من الحرب.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع سياسي أو تنازع جغرافي، بل مشروع متكامل لإعادة إنتاج الدولة السودانية وفق الرؤية الإخوانية القديمة – المجددة. ومن الواضح أن هذه الاستراتيجية تقوم على ثلاث مراحل: أولها التصفية والقمع لردع الخصوم، تليها مرحلة إنهاك الخصم واستنزاف المجتمع عبر الحرب والنزوح، وتنتهي بمحاولة إعادة صياغة المجتمع والاقتصاد والقيم والثقافة ليتماهى مع مشروعهم. مواجهة هذا المشروع تتطلب مشروعًا مضادًا وطنيًا وشجاعًا، يملك الشجاعة لتسمية الأشياء بأسمائها، ويستند إلى تحالف واسع بين القوى السياسية والمدنية، لقطع الطريق أمام تجدد الكابوس.




