رأي

مناوي وحشة الفتى عند مفارقة الرفاق

خالد فضل

خالد فضل
لا أخفي شعورا بالتعاطف مع السيد مني أركو مناوي , بعيدا عن مواقفه السياسية المضطربة ؛ إذ تعرفت عليه دون أن أقابله , عن طريق أخويه الصديقين الزميلين حسين وخميس , كلاهما ممن يعتد بسعة أفقهما , وكثيرا ما دارت بيني وبينهما نقاشات ثرّة , ليس بالضرورة اتفاقنا في الرأي . لذلك كنت من المتحمسين لوجوده في القصر الجمهوري أيام اتفاقه في ابوجا 2006م , وكتبت كلمة عنونتها ب(مناوي في القصر صعود الثوار ) . ثم طرأ ت عكننة متوقعة من لدن جماعة الإسلاميين المهيمنين , فيما عرفت إعلاميا بأحداث حي المهندسين حينذاك , فاشتكى مناوي من سوء في التعامل مع الموقف , كتبت مشجعا , لا تحزن إنّه ضمير يتشكل . لكن مناوي ظلّ يشكو من وحشته في القصر الرئاسي , حيث يمكث فيه بلقب مساعد الرئيس دون أن يقدم مساعدة , فاطلق بنفسه على وظيفته (مساعد حَلَّة ) إشارة إلى عدم توظيفه في شؤون الحكم .
وجد مناوي فسحة من اطمئنان في رحاب الحركة الشعبية لتحرير السودان (الأم) ومن على منصة مؤتمرها العام الثاني في بحر العام 2008م , طفق يبث شكواه , وكان في مقدمة الحضور علي عثمان نائب البشير . قال إنّ اتفاقية ابوجا قبرت مع مجذوب الخليفة في مقابر طيبة الخواض . ثم واصل التذمر , بينا الإتفاقية لم تقدم جديدا سوى حفنة وظائف ومخصصات وألقاب لا تسمن ولا تغني عن مواجهة الحقيقة . تململ حتى عاد للتمرد مرّة أخرى , حاول استعادة الرفقة مع الثوار , لكن كانت الأحداث قد سارت , فهو قد فارق رفاقه الأوائل , وانخرط دونهم في اتفاق روبرت زوليك ؛ الأمريكي الذي أكدّ أنّ الإتفاق لا يحتمل تغيير شولة , ولكن باء الاتفاق كله بجميع علامات الترقيم بفشل مريع . كالعادة خرج مناوي ناقصا بعض الرفاق , فقد آثر بعضهم الاستمرار في الوظائف . هذه سيرة متواصلة في عهد اتفاقات الإنقاذ الكثيرة , يدخلها الخصوم متوحدين , وسرعان ما يخرج بعضهم مغاضبين ويوجد دوما (اسبير ) يستخدم تحت نفس اللافتة , لذلك ليس غريبا وجود لافتة حركتي د. الهادي إدريس , والأستاذ الطاهر حجر ضمن تشكيل حكومة إنقلاب البرهان . مثلما ظلّ حسن إسماعيل مستمسكا بالوظيفة التي حازها ضمن جماعة مبارك الفاضل في انقسام حزب الأمة الشهير , فلمّا عرّد المهدي بقي ودسماعين حتى ترقى فصار وير وناطقا بلسان الفلول حتى سقط معهم , وما يزال على عهده معهم مكين ينطق بلسانهم في فضائية طيبة كل حين .
عاد مناوي الذي كان قد شقّ حركته في مؤتمر حسكنيتة المعروف , لكن رفيقه عبدالواحد ظلّ على العهد مقيم , تناسلت حركات جيش تحرير السودان , حتى تاه في وسطها الجيش , وغاب التحرير وغامت مفردة السودان , فوجد مناوي رفقة في الجبهة الثورية عساها تخفف وحشة الفتى , فطاردتهم قوات (حماية البشير) حتى تخوم ليبيا فدخلتها عناصرهم تستجير من رمضاء الدعم السريع بالانخراط في مليشيات ليبيا في سبيل كسب الرزق . فليس مأمولا في حالتها الصعود إلى السماء ذات البروج . ثمّ كان نداء السودان سانحة ؛ وفيه بعض أحزاب بقيادة الراحل الصادق المهدي إمام الأنصار . وعند انبعاث الثورة الديسمبرية السلمية في شوارع الخرطوم , ظهر إعلان الحرية والتغيير , وكان نداء السودان من كتل الموقعين , ضمنيا كانت الجبهة الثورية في عداد قوى التحالف المعلوم .فعليا نأت الحركات عن المضي في خطوات ما بعد سقوط البشير . لعل ذاكرتهم استعادت موقف قرنق عشية سقوط النميري فآثروا التمكّث في خانة العناد لحين اتفاق . كان قرنق يزعم ؛ وهو محق , أنّ جنرالات أبريل هم امتداد لمايو2. لكن ثوار جبهة الثوار لم تلعن لجنة البشير الأمنية , بل وجهت رصاصها صوب صدور رفاقها المدنيين . وحتى حين حان الاتفاق فالتوقيع كان كاب حميدتي هو مظلة التدشين . قالوا عساكر يفهموا لغة عسكريين , لكن مشكلة سلام العساكر بدون مشروع سياسي ومبادئ رشد تهدي لا يتجاوز الترتيبات الأمنية , عندهم السلام وقف إطلاق النار , فانخرط مناوي بعد أن أبى جبهته الثورية الأولى مصرا على جبهة ثانية فكان له ما أراد , فذاك زمان الثورة وشعارها حرية سلام وعدالة , وقودها شباب مستنير من النوعين ونساء ماجدات ملهمات , الصبر على المكاره ديدنهم , والوعي سياجهم المتين , فهم من ردّوا على البشير فورا يا العنصري ومغرور كل البلد دارفور , ذلك عندما أذاع وزيره أواخر الليل بيانا مهما مفادة ضبط عناصر حركة عبدالواحد النور في الدروشاب يخططون لتفجير مواكب نهار الغد المعلنة بتوقيت ساعة تجمع المهنيين . ولم تك عناصر عبدالواحد , بل همو خفافيش الظلام من يفجرون الثوار .
في آخر يوم للموعد المضروب لتسكين شاغلي الوظائف بموجب اتفاق (السلام روتانا) المشهور باتفاق جوبا ذي المسارات , أصدر د. عبدالله حمدوك رئيس وزراء حكومة الثورة القرار بتسمية مني أركو مناوي حاكما على إقليم دارفور , وعندما سئل عن التوصيف الوظيفي , أجاب سيأتي لاحقا , لكنه ما جاء إلى الآن . فقد انضم مناوي لفئة المناوئين لمسار الإنتقال , وضع حركته في حضن الفلول , وشق الحرية والتغيير بإضافة الكتلة الديمقراطية لاحقة تعريف , ونشط في إعتصام الموز كما لم ينشط في ملاحقة تنفيذ الاتفاق , وبرز بمقولته شوية مع دول وشوية مع دول . حتى أذاع البرهان البيان استجابة لهياج وصياح وهتاف التوم هجو الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع .
ثم حدث ما حدث من وقائع الإنقلاب , فوقف مناوي إلى صف الكاب , يلوذ به بحثا عن رفاق , فالفتى ما يزال في وحشة الغياب , لا مشروعا للثورة كما ابتدأ عهده يافعا , ولا جيش يعتد به , فانجزت له الاستخبارات بعض تكوين شمل حتى طلبة جامعيين في بعض الكليات لزوم بند الترتيبات والدمج للمقاتلين وبرامج التسريح . وهي خطة يعرفها المراقبون , فقد تمت مع القائد مالك عقار الذي جاء خالي الوفاض من جيش ومحاربين , وحتى المئات الأربعة أو الخمسة ومن بينهم معاشيين , تكفّل حميدتي بالإعاشة والتموين . وحميدتي زول البادية لا يتحدث عن الدقيق والعدس على كل حال . لكن الحساب بجمع في يوم تطرح فيه الوقائع كما هي بدون إلتواء . المهم , ما يزال صديقنا مناوي يراوغ تحت شعار شوية شوية ذاك , ويزعم الحياد في حرب الجنرالين لأول الإندلاع , ثم انحاز إلى صف الوطن وحرب الكرامة عندما قرر الكيزان تغيير السردية لصالح استعادة التمكين . وها هي الحرب تدخل عامها الثالث ببضعة شهور , وتسير بالتناقضات المحافل والمواقع والاسافير , وتبدو المشتركة فوووق خالص أوان التهويش , لكنها مظنة شكوك عند انسحاب الدعامة من الوسط المحظوظ , فلتذهب لمحاربة الأوباش وتفك حصار فاشر السلطان هكذا يبرطم بجهوية وعنصرية بائنة لسان . ويتلفت مناوي بحثا عن رفاق , فيجد ثلة من المقربين في مواقع القيادة من حركته يصرحون , يتهمون القائد بخيانة العهود والإرتماء في حضن الإسلاميين , وتوريط الشباب وتحميسهم في حرب الفلول . فيذاع نبأ سفره إلى الخارج , إلى مكان ولزمان مجهول , عساه يبحث عن رفاق , ففي رفقة الكيزان وحشة لا تعدلها وحشة من يجد نفسه وسط قطيع من الذئاب .. الله يكتب سلامتك أخي الاصغر مناوي , فما يزال في القلب لك مكان , مهما نأيت في درب الفشل لن أنسى رفقة أعزاء هم لك أشقاء كانوا وما يزالون لهم في الفؤاد محبة وتقدير . كلنا إنسان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!