رأي

الحلقة العاشرة: نحو ذات وطنية جامعة – الخلاص من عباءة الذات العنصرية

صالح السليمي 

بهذه الحلقة، نختتم سلسلة الذات العنصرية – عبدالرحمن عمسيب نموذجًا، وقد تناولنا خلالها نشأة هذه الذات، وخطورتها، وتجلياتها، وطرق توظيفها كأداة سياسية مدمّرة. أما اليوم، فإننا ننتقل من التشخيص إلى اقتراح الطريق نحو الخلاص.
إن معركة السودان الأساسية اليوم، ليست فقط مع الجوع أو الحرب أو الفساد، بل مع فقدان المشروع الوطني الجامع، الذي يتجاوز الهويات الضيقة والخطابات السامة، نحو صياغة وطن يتسع للجميع.
فما هو الطريق إلى بناء هذه الذات الوطنية الجديدة؟
أولًا: الاعتراف بأننا أمام أزمة وعي بنيوية
لا يمكن تجاوز العنصرية إذا لم نقرّ أولًا أننا نعيش في مجتمع مريض بتراتبيات العرق واللون والجهة. هذه التراتبيات لم تنشأ من فراغ، بل صاغتها قرون من الاستعمار، والخطاب الطائفي، و”المركزوية الخرطومية” التي كرّست التهميش.
الذات العنصرية ليست شذوذًا، بل نتيجة مباشرة لهذا التاريخ. وبالتالي، فإن مواجهتها تبدأ من تفكيك هذا التاريخ وإعادة كتابته من منظور العدالة والمساواة والكرامة.
ثانيًا: بناء خطاب وطني جديد
لا بد من تأسيس خطاب جامع، حديث، عقلاني، يتجاوز الثنائية القاتلة: (نحن / هم)، ويتوجّه إلى الإنسان السوداني كقيمة مطلقة لا يُقاس بعرقه أو لونه أو لغته.
هذا الخطاب يجب أن يقوم على:
•المواطنة المتساوية.
•محورية الحقوق والحريات.
•احترام التنوع الثقافي والديني واللغوي.
•الذاكرة المشتركة للمعاناة، لا للهيمنة.
إن الذات الوطنية تُبنى بالكلمة، مثلما تُهدم بالكلمة العنصرية، والكلمة مسؤولية.
ثالثًا: إصلاح التعليم لبناء وجدان نقدي
لا خلاص دون ثورة حقيقية في مناهج التعليم. تلك المناهج التي صاغها الإخوان والسلفيون طيلة ثلاثين عامًا، وكرّست التقديس الأجوف، والتلقين، وتزوير التاريخ، وتهميش الثقافات غير المركزية.
لا بد من:
•تضمين مناهج جديدة تكرّس قيم التسامح، والعدالة، والتعدد.
•تدريس تاريخ الهامش، والنضالات النسوية، واللغات المحلية.
•تدريب المعلمين على نشر العقل النقدي لا عقل الطاعة.
فالمعركة الحقيقية تُخاض في فصول المدارس، لا في ساحات القتال.
رابعًا: مشروع ثقافي وتنويري شامل
لا يمكن مواجهة ذات عنصرية، تُروَّج عبر الإعلام ومواقع التواصل، من دون مشروع ثقافي متكامل:
•دعم المسرح والسينما والفنون البصرية في التعبير عن المظلومين والمهمّشين.
•إنتاج أعمال درامية وسينمائية تكشف بشاعة التمييز والفرز.
•إطلاق حملات توعوية حول مخاطر العنصرية.
•حماية الكُتّاب والصحفيين الذين يواجهون خطاب الكراهية.
الثقافة ليست ترفًا، بل هي خط المواجهة الأول.
خامسًا: عدالة انتقالية تعترف بالضحايا
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينهض دون عدالة انتقالية شجاعة تعترف بضحايا  الحروب، وتنصفهم، وتحاسب الجناة.
•الاعتذار الرسمي عن الممارسات التمييزية التي كرست التهميش البنيوي.
•رد الاعتبار القانوني والاجتماعي للفئات الضعيفة .
•إصلاح أجهزة الدولة لتصبح ممثلة حقيقية لكل السودان، لا حكرًا على مركزه.
فالعدالة ليست انتقامًا، بل تصحيحٌ لأوضاع مختلّة.
سادسًا: إيقاف الأدوات الناطقة باسم العنصرية
عبدالرحمن عمسيب وأمثاله، ليسوا مجرّد ظواهر صوتية، بل أدوات خطيرة تُهدد الأمن القومي. لذا:
•يجب تقديمهم إلى المحاكمة العادلة.
•محاسبة كل من يموّلهم أو يوفر لهم منابر.
•تفكيك الشبكات التي تقف خلفهم، داخليًا وخارجيًا.
السكوت عنهم خيانة وطنية صريحة.
وأخيرًا: السودان يستحق الأفضل
هذا البلد العظيم، بكنوزه البشرية والطبيعية، لا يمكن أن يظل رهينة خطاب قذر، ينتمي لعصور الجهل والكراهية. إننا بحاجة إلى:
•تحرير الذات السودانية من أوهام النقاء العرقي.
•بناء وطن بمقاييس القرن الحادي والعشرين، لا بمقاييس التخلف والدم.
•إشراك كل مكونات المجتمع في إعادة صياغة مستقبل البلاد. فقط حين ننتصر على الذات العنصرية، يمكننا الحديث عن وطن يستحق الحياة.
خاتمة السلسلة:
ما بين التحليل والتوثيق والدعوة إلى التحرر، حاولنا أن نفكك واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد كيان السودان في وجوده: الذات العنصرية. وقد كان عبدالرحمن عمسيب نموذجًا صارخًا لها، لكنه ليس الوحيد.
إن ما بدأناه بهذه السلسلة، هو دعوة للعقل السوداني كي يستعيد وعيه، وكرامته، وشجاعته في مواجهة خطابات السُم والدم، والانتصار للمستقبل، لا للماضي المعطوب.
والله المستعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!