
في مساء السبت، ارتكبت جريمة غادرة في مدينة الأبيض بهدوء يعادل خطورتها. فقد اغتيل وكيل النيابة الأعلى بولاية شمال كردفان، التجاني آدم صبي، على يد مسلحين مجهولين ارتدوا الزي العسكري. تفاصيل العملية، من حيث التخطيط والتنفيذ، لا تترك مجالاً كبيراً للشك حول هوية الجهة التي تقف خلفها، إذ تتقاطع خيوطها مع سجل طويل لجماعة الإسلاميين داخل الجيش والأمن، تلك التي ما زالت تعمل بعقلية “الكيزان” في تصفية الخصوم جسدياً، وتوظيف الدولة كأداة للانتقام السياسي.
كان التجاني آدم صبي نموذجاً للوكيل المهني المستقل. لم يكن يرضخ للضغوط ولا للابتزاز، وأثبت في أكثر من مناسبة نزاهته في التعامل مع قضايا المعتقلين الذين يُتهمون بالتعاون مع قوات الدعم السريع. وبشجاعة لافتة، كان يطلق سراح كل من لم تثبت إدانته. هذا النهج لم يرق لجماعة الإخوان المسلمين التي اخترعت سردية “الدعم السريع” كفزاعة لتبرير الاعتقالات والتصفيات، واستخدامها أداة لتصفية حساباتها مع خصومها.
الظروف التي أحاطت بالاغتيال تفضح المستور. الحي الذي يقطن فيه الرجل محصن تماماً من جميع الجهات بقوات الجيش والأمن، بل إن استاد الأبيض القريب من منزله تحول إلى ثكنة عسكرية ضخمة. كيف، إذن، تمكن مسلحون من التسلل إلى قلب هذه التحصينات، واقتحام منزل مسؤول قضائي رفيع، ثم الانسحاب دون أن تعترضهم نقطة تفتيش واحدة؟ الأدهى من ذلك أن الفقيد كان يتمتع بحراسة شخصية، ما يجعل التساؤل مشروعاً: أين كان دورها لحظة وقوع الجريمة؟ أهو تواطؤ، أم عجز مفتعل؟
الأرجح، وفق كل المعطيات، أن أصابع “كيزان” الجيش أو “كيزان” الأمن والمخابرات هي التي ضغطت على الزناد. فالعملية لم تكن عشوائية، بل عملية تصفية مقصودة لرمز قضائي كان يقف عائقاً أمام ماكينة البطش الإسلاموية. ارتداء المنفذين للزي العسكري لم يكن مجرد صدفة، بل رسالة واضحة بأن القاتل موجود في صميم المؤسسة التي يفترض أن تحمي القانون.
رحيل التجاني آدم صبي ليس خسارة لأسرته وزملائه فحسب، بل ضربة موجعة لفكرة العدالة التي كان يمثلها. إن إسكات صوته بالرصاص يفضح هشاشة الدولة، ويؤكد أن بقايا الكيزان ما زالت تتحكم بمفاصل القرار الأمني والعسكري. هذه الجريمة، في حقيقتها، ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من استهداف كل من يقف ضد مشروع الإسلاميين في السودان، وآن الأوان لتسمية الأشياء بمسمياتها: القتلة معروفون، ومسرح الجريمة يشي بهم.




