رأي

السودان ليس صكا في جيب الكيزان.. ودارفور ليست عقدة دونية

منال علي محمود

من اكبر الاوهام التي زرعتها الانظمة الشمولية في عقول الناس أن الدولة هي الحاكم، وأن المؤسسات العامة مجرد ملكية شخصية للكراسي. اليوم نسمع اصواتاً تعاتب الثوار وقوى الحرية والتغيير بعبارة: (انتو كنتوا شغالين معانا). والسؤال الذي يفرض نفسه:

هل رأى احدكم صك ملكية السودان لدى الكيزان؟
هل امتلكوا الدولة بعقود بيع او شراء؟
ام أنهم مجرد عابرين استغلوا جهاز الدولة لحكم الناس بالقوة؟

الدولة ملك للشعب لا للحاكم

العمل في دواوين الدولة هو خدمة للسودان، لا لحاكم عابر. الوزارات، المدارس، المستشفيات، القضاء، والخدمة المدنية كلها مؤسسات للشعب، وبقاؤها يعني بقاء الوطن.

الدستور الانتقالي 2005 نص في المادة 7/1 على أن (المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات)، وفي المادة 136/1 على أن (الخدمة المدنية القومية هيئة مهنية مستقلة). فكيف تحولت فجأة إلى ملكية حصرية للكيزان؟ من يعمل فيها يعمل عند السودان، لا عندهم.

الخلط بين الدولة والنظام ليس بريئاً، بل جزء من سياسة متعمدة لإيهام الناس أن (العمل العام) وصمة ولاء للنظام. هذه أخطر أشكال الغسيل السياسي، لأنها تحول الوطن إلى غنيمة.

دارفور.. المأساة التي يستهزئون بها

بعضهم يختزل مظالم دارفور في (غيرة) أو (عقدة دونية) من شكل الإنسان الشمالي. ما أقسى هذا التبسيط وما أتعس هذا الادعاء.

هل هي غيرة عندما تعيش مناطق كاملة بلا كهرباء حتى اليوم؟
هل هي عقدة دونية عندما تلد النساء بالحبال في غياب أبسط مقومات الصحة؟
هل هي حسد عندما تطبخ الأسر بالحطب لأنها لم تعرف الغاز؟
هل هي غيرة من ملامح البشر عندما يشرب الناس والدواب من ذات الحفير؟

والسخرية أنهم يتحدثون عن (فرق شكل)، بينما الحقيقة أن كل الملامح سودانية أفريقية واحدة، لا يفرقها سوى آثار هجرات عابرة، دينية أو استعمارية، لم تصنع جوهراً جديداً بل مجرد أوهام تفاضل زائفة.

هيمنة الشمال والانتهاكات الموثقة

بيانات الكتاب الأسود وضحت بجلاء هيمنة الشمال على الحكم والسيطرة على مؤسسات الدولة والموارد. بالمقابل، تقارير الأمم المتحدة وأجهزة حقوق الإنسان أوضحت حجم الانتهاكات التي تعرّضت لها مناطق دارفور والنيل الأزرق، من تهجير قسري وقتل وتشريد وحرمان من الخدمات الأساسية.

فشتان بين ما يُكتب عنا وما تكشفه هذه الوثائق عن تغوّل الشمال، بين سرد مبسّط يستخف بالمظلومية وبين الحقائق الموثقة التي لا يمكن تجاهلها.

تدخل المجتمع الدولي

حجم الانتهاكات في دارفور وصل إلى حد تدخل الأمم المتحدة وفق البند السابع، في عهد البشير نفسه، الذي تمشدغ قاتلاً أهل دارفور لأتفه الأسباب السياسية أو الشكلية. هذا التدخل الدولي يوضح أن القضية ليست مجرد جدال شكلي أو عقدة دونية، بل جريمة إبادة واضحة وعميقة في تاريخ السودان الحديث.

هذه ليست عقدة، هذه جريمة عمرها عقود.
هذه ليست دونية، هذه حياة وموت.
التافه هو من يستخف بالمظلمة، لا من يصرخ بها.

سياسة التتفيه والتفريغ

الخلط بين الدولة والنظام، أو بين المظلومية والغيرة، ليس بريئاً. إنه جزء من سياسة قديمة: (إضعاف القضايا العادلة بالتشويه والتفريغ). لكن الحقيقة أوضح من كل محاولات الإنكار:

الدولة للشعب، وليست ملكاً للحاكم.

دارفور لها قضية حقوق وعدالة، وليست عقدة دونية.

الحل الذي ينبغي أن يُقدّم

كشف التزييف وحده لا يكفي، فلا قيمة للوعي إن لم يُترجم إلى حلول عملية:

أولاً: إعادة الدولة إلى مكانها الطبيعي، ملكاً للشعب لا لحزب أو طاغية، مع ضمان أن الموظف العام يخدم الوطن فقط.

ثانياً: محو خطاب (كنتوا شغالين معانا)، والرد عليه بأن العمل كان مع السودان، لا مع أي جهة سياسية.

ثالثاً: الاعتراف الصريح بمأساة دارفور: إبادة وتهميش وحرمان. الاعتراف خطوة أساسية نحو العدالة.

رابعاً: إقامة عدالة انتقالية حقيقية، شفافة وعادلة، مع محاسبة كل من ارتكب الجرائم.

خامساً: التنمية المتوازنة وتوجيه الموارد للمناطق المحرومة من الكهرباء والغاز والمياه النظيفة، لتصبح حقوقاً لا منة.

سادساً: مواجهة خطاب التفاهة كلما ظهر، بتسمية الأشياء بأسمائها: هذه ليست (غيرة شكل) ولا (عقدة دونية)، هذه مظلمة وعدالة مؤجلة.

الحل ليس سهلاً، لكنه أوضح من كل محاولات الإنكار.
الدولة للشعب، لا للحاكم.
ودارفور قضية عدالة، لا عقدة دونية.
والتافه، هو من يستخف بالمظلمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!