
شهدت مدينة نيالا مساء السبت الثلاثين من أغسطس 2025 احتفالًا كبيرًا بمراسم أداء القسم لرئيس وأعضاء المجلس الرئاسي لحكومة السلام والوحدة. وتمثل هذه الخطوة ميلاد أوسع جبهة سودانية تعبّر عن مستقبل البلاد، بعد أن تضمن دستورها الانتقالي معظم قضايا السودان الجوهرية، وخاصة المرتبطة بالهوية، ومستويات الحكم، والمواطنة، والتنمية المتوازنة.
ويتميز تحالف التأسيس بأنه تحالف قائم على التوافق لإنهاء الحرب، وبناء جيش وطني مهني، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة. كما يقوم على مبدأ علمانية الدولة، بما يتيح لجميع أبناء السودان المشاركة والتمثيل وممارسة شعائرهم الدينية بحرية بعيدًا عن مؤسسات الدولة ومهامها التنفيذية والتشريعية والرقابية.
“تأسيس” .. تاريخ جديد يُكتب للسودان
رغم معاناة الحرب التي تقترب من عامها الثالث، إلا أن رحمها أنجب أكبر قوة سياسية وعسكرية واجتماعية، تضم أحزابًا ومجتمعًا مدنيًا ورموزًا وطنية، اجتمعوا جميعًا حول طاولة مثقلة بجراح السودان الممتدة منذ عام 1955، حين خرج المستعمر تاركًا وراءه إرثًا من الأوجاع والمتاهات. وقد تعاقبت أجيال من “أصحاب الياقات البيضاء” على حكم البلاد، محتكرين السلطة والثروة في رقعة جغرافية محدودة لعقود طويلة.
وعندما اندلعت حرب أبريل 2023 ضد قوات الدعم السريع، في محاولة لتصفية ثورة ديسمبر والقضاء على القوة التي ساندت الثوار، برز عامل حاسم تمثل في تحالف مكونات الهامش الرافضة لهيمنة المركز. ورغم تناقضات هذا التحالف، فإن المركز استطاع تكوين قوة عسكرية من أبناء الهامش نفسه لمواجهة مكونات أخرى منه، عبر استغلال الصراعات القبلية الممتدة منذ قرون، لصالح تمكين مشروع الحركة الإسلامية.
خطاب رئيس المجلس الرئاسي للتأسيس
حمل خطاب السيد محمد حمدان دقلو (حميدتي) رئيس المجلس الرئاسي للتأسيس، عدة رسائل موجهة للداخل والخارج.
ففي الداخل، أكد الخطاب تمسك “تأسيس” بالدولة السودانية من خلال رفع العلم الوطني، وإبراز شعار الدولة الرسمي، فضلًا عن إعلان مدنية الدولة عبر تخلي حميدتي عن ارتداء الزي العسكري الذي اعتاد الظهور به في مخاطباته السابقة. كما شدّد الخطاب على وحدة السودان بكل جغرافيته، والعمل على اجتثاث الموروثات التي أعاقت توحّد شعبه. والأهم أنه وضع ملامح طريق نحو إخراج الجيش من السياسة، وإقامة انتخابات حرّة يختار فيها الشعب من يحكمه.
أما رسالته إلى المجتمع الدولي، فقد تمثلت في أن تحالف “تأسيس” يمد يده للتعاون، سواء في إيصال المساعدات الإنسانية، أو في حماية المدنيين، أو في احترام حقوق الإنسان.
إن الساعات القادمة من عمر تحالف “تأسيس” تظل الأهم في أذهان السودانيين، بوصفها لحظة تاريخية لوضع حجر الأساس لمرحلة وجدان تأخرت كثيرًا، وخاصة لأولئك الذين اكتووا بنار الحرب التي جرّدتهم من حقوقهم الدستورية والمدنية والاقتصادية، ووضعتهم في مواجهة عسف الجيش المختطِف




