
صديقتي في الجامعة التي نشأت في دارفور روت لي مرة قصتها. قالت: “حين أُحرقت قريتنا لم يأخذوا منا الأرض فقط بل حاولوا أن يمحوا وجودنا من التاريخ شاهدت بيوتنا و هي تتحول إلى رماد و فقدت أصدقاء و أقارب لم أعرف عنهم شيئاً بعدها كل من يتحدث عن ما جرى يتهم بأنه يفتح جراح الماضي لكن كيف نعيش بلا ذاكرة؟”.
هذه الكلمات تلخص مأساة السودان منذ الإستقلال: لم نكن نعجز عن إسقاط الحكومات بل كنا نعجز عن حماية ذاكرتنا من النسيان.
كل حكومة تبدأ من الصفر و كأن ما قبله لم يكن.
في وادي حلفا أغرقوا بالنيل التاريخ.
و في كجبار أسالوا دماء المحتجين ثم صمتتنا!.
و في دارفور حولوا القرى إلى رماد و كذا في النيل الأزرق و جنوب كردفان.
و في القيادة العامة قتلوا الشباب ثم قيل لنا “انظروا إلى الأمام”!.
لكن أي مستقبل يمكن أن يبنى بلا ذاكرة؟.
النسيان في السودان لم يكن ضعف ذاكرة شعب بل كان أداة سلطة.
العسكريون حكموا بالصمت: لا حديث عن بيوت الأشباح و لا المقابر الجماعية.
الحكومات المدنية سايرت الأمر: تسويات سريعة و مصالحات هشة و دفن للماضي باسم الاستقرار.
هكذا ظل التاريخ يعيد نفسه لم يحاسب أحد منذ ان انفجر الجنوب فانفجرت دارفور و ما تم إنكاره في دارفور عاد في قلب الخرطوم.
إنه ليس حياداً بل بنية حكم تعيد إنتاج الألم.
ما يجعل التأسيس مختلفاً أنه لا يقدم نفسه كحكومة فقط بل كتمرد على ثقافة الإنكار و يقول إن السياسة لا يمكن أن تنفصل عن الذاكرة: حين يستحضر وادي حلفا و كجبار يعلن أن التنمية لا تبنى على محو المجتمعات.
حين يُذكر جبل مرة و الجنينة و شطاية و حسكنية يضع دماء الضحايا في قلب العقد الاجتماعي.
حين يستعيد القيادة العامة يعترف بأن الثورة ليست حادثة عابرة بل ذاكرة مؤسسة.
التأسيس ليس مجرد إعلان وزراء بل فلسفة تأسيسية: دولة تُبنى بالاعتراف لا بالإنكار.
العدالة الانتقالية تعالج الماضي بالمحاسبة: من ارتكب الجريمة؟ كيف نحاسبه؟.
أما العدالة التأسيسية فتجعل الذاكرة نفسها قاعدة للمستقبل: كيف نكتب دستوراً يمنع الدولة نفسها من أن تتحول إلى أداة للجريمة مرة أخرى؟.
هذا هو جوهر التأسيس: ليس فقط جبر الكسور القديمة بل إعادة تكوين الجسد السياسي بحيث لا ينكسر بالطريقة نفسها مرة أخرى.
في الفلسفة كان نيتشه يرى أن النسيان ضرورة أحياناً للحياة الفردية لكن الأمم التي تبني حاضرها على النسيان تتحول إلى سجناء تاريخ يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية.
و في السودان لم يكن النسيان نعمة بل لعنة و لم يكن خياراً بل أداة سلطة.
التأسيس يكسر هذه الحلقة: لا ليحول الماضي إلى عبء دائم بل ليجعله ضوءً ينير الطريق.
الإعتراف هنا ليس ثأراً بل تحرراً من دائرة التكرار.
التأسيس إذن ليس مجرد إعلان مجلس رئاسي أو رئيس وزراء بل محاولة لكسر دائرة النسيان التي سجنت السودان لعقود.
إنه وعد بأن تتحول الذاكرة من ضعف إلى قوة.
من صديقتي في الجامعة التي حكت قصة دارفور إلى وادي حلفا و كجبار وصولاً إلى الخرطوم كل دمعة منسية هي ثقب في جسد الدولة.
و إذا نجح التأسيس في تحويل الذاكرة إلى سياسة سيكون للسودان أول مرة فرصة أن يولد من جديد لا كدولة تنكر ماضيها بل تعترف به لكي تتعافى.




