
نجم الدين دريسة
في مشهد تراجيدي يثير الشفقة أكثر مما يثير الغضب، ظهر كامل إدريس، أو “دمية البرهان” كما يسميه الشارع السوداني، وهو يهتف باسم الديكتاتور الإريتري أسياس أفورقي، مستجدياً التحية من قلة من المواطنين ساقهم الفضول لمشاهدة عرض سياسي هزيل يعيد للأذهان صورة الدولة المختطفة التي تحولت إلى مسرح للدمى المتحركة.
زيارة كامل إدريس إلى أسمرا لم تكن حدثاً دبلوماسياً، بل كانت مهزلة سياسية مكتملة الأركان. فبينما يعيش السودان إحدى أكثر لحظاته دموية وتمزقاً، يهرول من يُفترض أنه يمثل “رئاسة وزراء” إلى حضن واحد من أكثر الأنظمة قمعاً في إفريقيا، حاكمٌ لم يعرف في قاموسه سوى الإقصاء والتنكيل وتكميم الأفواه. فإريتريا منذ استقلالها عام 1991 وحتى اليوم ترزح تحت قبضة أسياس أفورقي الحديدية: لا دستور، لا برلمان، لا إعلام حر، لا نقابات، ولا حتى حياة سياسية تُذكر.
لكن كامل إدريس – الذي جاء للمشهد من نوافذ الفراغ السياسي – وجد في هذا المشهد المظلم ما يناسبه تماماً. فالمستبدون، كما هو معروف، يشبه بعضهم بعضاً في الفكر والنهج، مهما اختلفت الجغرافيا. جميعهم يسعون إلى “تجانس” المجتمع بالقوة، وإلى صناعة الطاعة العمياء باسم الوطنية أو الدين أو الأمن. أفورقي في أسمرا، وبشار الأسد في دمشق، والبرهان في الخرطوم؛ ثلاث نسخ مختلفة من الاستبداد ذاته، تشترك في ازدراء الإنسان واحتقار الحرية.
من المثير للسخرية أن كامل إدريس، الذي عُرف يوماً بصفته موظفاً أممياً، يتحول اليوم إلى واجهة ديكتاتورية مكرورة، يتحدث بلغة الأوامر لا بلغة المبادئ، ويستعرض في أسمرا ما تبقى من ولاءاته لأسياده العسكريين في الخرطوم. لقد تحولت الزيارة إلى رمز لانحطاط المعنى السياسي في السودان، حين يصبح من يتحدث باسم “الدولة” مجرد تابع لمستبدٍ خارجي يبحث عن الاعتراف في وجوهٍ فقدت الإحساس بالكرامة الوطنية.
إن ما جرى في أسمرا ليس عملاً دبلوماسياً بل عرض ولاء واستجداء، مشهد من كوميديا الحرب السودانية، حيث تتحرك الدمى بخيوط يحرّكها البرهان وكيزانه من بعيد. لم يكن الهدف من الزيارة سوى إرسال رسالة بائسة إلى الداخل: أن النظام المنهار ما زال يجد من يستقبله، ولو على هامش الديكتاتوريات.
في نهاية المطاف، ستظل زيارة كامل إدريس لإريتريا علامة على زمن السقوط — سقوط الفكرة، والكرامة، والسياسة.
فحين يصفّق الأراجوز في حضرة المستبد، يكون الوطن هو الضحية الحقيقية، وتُكتب المأساة على شكل مشهدٍ كوميديٍ تراجيديٍ يُضحك العالم ويبكي السودانيين في آنٍ واحد.
وهكذا تُختصر القصة:
من دمية البرهان إلى ظل أفورقي،
ومن حلم الدولة إلى مهزلة العار في أسمرا.



