رأي

دراسة الطب في مصر؛ عالقين بين بورتسودان والإسكندرية: حكاية حميدة وعفاف وأمةٍ تاهت في العبور

د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا

في أغسطس من العام 2025، تلقّى الطالب طه بشير حميدة والطالبة عفاف راضي خبر قبولهما في كلية الطب بجامعة الإسكندرية. كان ذلك بالنسبة إليهما نقطة ضوءٍ نادرة في نفقٍ طويلٍ من العتمة التي فرضتها الحرب على السودان منذ أكثر من عامين ونصف.
لم يصدق الاثنان ما جاء في البريد الإلكتروني، ولا كادا يفرغان من قراءة التهنئة الرسمية حتى عمّت الدموع وجوه أسرتيهما. فالحلم الذي بدت أبوابه مغلقة في الخرطوم المدمّرة، فتح نصفها على الأقل في مدينة تطل على المتوسط. غير أن الفرح سرعان ما انكفأ على نفسه، إذ بدأ الطريق إلى الإسكندرية يتكشف كرحلةٍ في دهاليز البيروقراطية والابتزاز والاستغلال، لا كطريقٍ إلى الجامعة.

1. من القبول إلى العجز: مسافة الذل بين بورتسودان والقاهرة
منذ لحظة القبول، بدأت دوامة جديدة: أوراقٌ لا تنتهي، متطلباتٌ تتجدد، وموافقاتٌ أمنية تتأخر بلا تفسير. أصبح على حميدة وعفاف أن ينتظرا “الفرج” من مكاتب بلا أبواب، يديرها موظفون يردّدون الجملة ذاتها: “نحن في انتظار الموافقة الأمنية.”
وفي كل مرة يُقال فيها هذا الجواب، تزداد حالتهما النفسية سوءًا. فكل يوم تأخير يعني فصلاً دراسيًا يضيع، وحلمًا يتبدد. تقول والدة حميدة في إحدى الرسائل: “أخشى أن يصاب ولدي بالاكتئاب… لم نعد نراه يبتسم منذ أسابيع.” أما والد عفاف فيكتب: “كلما سألناها عن مصر، تغمض عينيها وتقول: لا أريد أن أحلم بعد اليوم.” هذه ليست حكاية فردين فقط، بل صورة مصغّرة لأمةٍ بكاملها تعيش في الانتظار؛ انتظار نهاية الحرب، انتظار الفرج من سفارةٍ صامتة، انتظار دولةٍ غابت حتى عن واجب السؤال.

2. حين يصبح التعليم سلعة: ثلاث آلاف دولار مقابل “الموافقة الأمنية”
ما بدأ كمجرد تأخير إداري تحوّل سريعًا إلى سوق سوداء علنية. فقد بدأت بعض الجهات في التواصل مع أسر الطلاب السودانيين، مقدّمةً وعودًا بالحصول على “الموافقة الأمنية العاجلة” مقابل مبالغ مالية ضخمة تصل إلى ثلاثة آلاف دولار أمريكي.
تبدو المأساة أكثر فداحة عندما ندرك أن هذه الأسر أنهكتها الحرب أصلًا، وأنها بالكاد جمعت ما يكفي لتغطية رسوم القبول والسفر والإقامة. فكيف يُطلب منها اليوم أن تدفع ثمنًا جديدًا لورقةٍ يفترض أن تصدر في دقائق؟
إنها صورة مقزّزة لـ الاتجار في التعليم، واستغلالٍ سافرٍ لمعاناة شعبٍ منكوب، تُمارسه شبكات تعرف تمامًا أن السودان لا دولة له اليوم تحمي أبناءه. وما بين بورتسودان والقاهرة، تُسحق كرامة الطالب السوداني تحت أقدام جشعٍ لا يشبع، وتواطؤٍ رسمي يفضح كل شعارات “الأخوة والجوار”.

3. مصر التي بدّدت الثقة
حين اختارت آلاف الأسر السودانية مصر كمحطة لتعليم أبنائها، فعلت ذلك بدافع الثقة، لا بالصدفة. قربٌ جغرافي، لغةٌ مشتركة، وذاكرة تاريخية توحي بالأمان. لكن مصر اليوم لم تعد كما كانت في وجدان السودانيين. فالمعاملة الباردة للطلاب السودانيين في الجامعات المصرية، وما يُفرض عليهم من قيودٍ وإجراءاتٍ مهينة، تمثل طعنة في خاصرة العلاقات الإنسانية قبل السياسية.
ما الذي يعنيه أن يُعامل طالبٌ قادم من بلدٍ منكوب كتهديدٍ أمني؟ وما الذي يبرر أن يصبح “القبول الأكاديمي” رهينة لمزاج جهازٍ أمني أو لسمسارٍ يجلس على مكتبه في القاهرة يعقد صفقات على مستقبل الناس؟
في اتفاقية “الحريات الأربع” بين البلدين، نصّ واضح يضمن حرية التعليم والتنقل والإقامة، لكن ما يجري على الأرض هو النقيض التام لتلك البنود. إن ما تتعرض له عفاف وحميدة، ومعهما مئات الطلاب السودانيين، هو امتهان مقنن للكرامة الإنسانية، وإهانة متواصلة لوطنٍ لم يبقَ منه سوى الاسم والعلم.

4. الصمت السوداني… أقسى من البيروقراطية المصرية
لا يُلام المصريون وحدهم على ما يحدث، فالمأساة تتعاظم في ظل غياب الدولة السودانية نفسها. حكومات الغارقة في الانقسامات والمكاسب، تبدو كما لو أنها سلطةٌ بلا رعية، تتحدث كثيرًا عن “السيادة الوطنية” لكنها عاجزة حتى عن إرسال مذكرة احتجاج لوقف إذلال طلابها في الخارج.
كان في وسع الجانب السوداني الرسمي حيثما هو أن يجري اتصالًا مباشرًا بالسلطات المصرية لحل الأزمة، أو على الأقل أن تتحرك السفارة السودانية في القاهرة لتقديم الدعم الإداري والنفسي لهؤلاء الطلاب العالقين، لكن لا شيء من ذلك حدث. إنها حالة اللا دولة، حين تفقد المؤسسات الإحساس بواجبها، حتى تتحول عمليا إلى ظلّ بلا مضمون، وتترك أبناءها ضحايا بين الحدود والأسوار والمكاتب المغلقة.

5. شهادة من الغربة
من مكاني هنا في كاليفورنيا، أتابع قصة حميدة وعفاف كما أتابع غيرهما من قصص أبناء وطني المنتشرين بين المنافي والمخيمات والحدود.
أشعر بالخجل حين أقرأ رسائل الأمهات اللاتي يبعن ما تبقى من حُليّهن لتسديد رسومٍ لا تنتهي، وأشعر بالعجز حين أرى أبناءنا الذين يفترض أن يكونوا أطباء ومهندسين، عالقين في متاهاتٍ بيروقراطية لا تليق بدولٍ تتشدّق بالتحضر. ما يحدث اليوم ليس أزمة تعليم فحسب، بل انكشاف أخلاقي شامل لعالمٍ يبيع حتى الأمل.
فحين يُجبر طالب على دفع ثمنٍ لحقه في التعلم، وحين تتحول الجامعة إلى بوابة أمنية، وحين يعجز وطنه عن نجدته، فذلك يعني أن الحرب لم تعد في الميدان فقط، بل في القيم والمعاني والضمائر.

6. الختام: حميدة وعفاف… وصوت الوطن الغائب
لا أعرف إن كان طه بشير حميدة أو عفاف راضي سيصلان يومًا إلى قاعات الطب في الإسكندرية، لكنني أعرف أن كليهما يمثل رمزًا لجيلٍ كامل من السودانيين المعلّقين بين الحرب والحلم، بين الرغبة في الحياة والعجز عن الوصول إليها.
ولعل أخطر ما في قصتهما أنها تكشف أن الحرب السودانية لم تكتفِ بتدمير البيوت والمستشفيات، بل امتدت لتُدمر مستقبل العقول.
إن ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة قبول جامعي، بل هو امتحان لضمير الأمة السودانية والعربية: هل ما زال فينا من يرفع صوته دفاعًا عن حق أبنائنا في العلم والكرامة؟
اللهم الطف ببلادي، وأغث أبناءها التائهين على الأبواب، اللهم أنقذ طه وعفاف، وكل من يشبههما، من ضياعٍ صنعته الحرب وأكملته اللامبالاة.
فإن بقي في هذه الأمة بقية ضمير، فليكن من أجلهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!