
منذ القرون الأولى، دخل الإسلام في أزمة تأويل لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم. فبعد أن كان القرآن الكريم هو النص المؤسس والمرجع الأعلى للدين، تحوّل مركز الفهم والتشريع إلى الحديث النبوي والتراث الفقهي، نتيجة لتفاعلات سياسية واجتماعية معقدة في العصرين الأموي والعباسي. ومع هذا التحول، فُقدت الفكرة الجوهرية التي جعلت الإسلام دينًا للعقل والفطرة والحرية، ليتحول إلى منظومة طاعة وتقديس للسلطة والنصوص الثانوية.
لقد ساهم تدوين السنة في ظل الحكم الأموي في إدخال الإسلام في دوائر الالتباس، إذ جرى توظيف الحديث لتبرير الحكم الوراثي وقمع المعارضة السياسية والدينية. فالأحاديث التي نُسجت حول طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه لم تكن بريئة من الغرض، بل كانت وسيلة لتثبيت هيمنة السلطة باسم الدين. ومن هنا، تحوّل الإسلام من رسالة تحررية تقوم على تحرير الإنسان من العبودية، إلى منظومة استسلام تسند الحكم الاستبدادي وتُقيد حركة الفكر.
إن مركزية القرآن الكريم ليست فكرة لاهوتية فحسب، بل هي قضية حضارية. فالقرآن هو النص الوحيد الذي لم يتعرض للتبديل أو التحوير، وهو المرجع الذي يجمع بين الثابت الإلهي والمتحول الإنساني، وبين الإيمان والعقل. ومن هنا، يصبح الرجوع إلى القرآن هو استرداد لمركز الوعي الإسلامي، لا بوصفه كتابًا للطقوس، بل بوصفه دستورًا للحرية والعقل والتجدد.
وقد أشار عدد من المفكرين المعاصرين إلى أن أزمة الإسلام التاريخية تكمن في نقل سلطة الفهم من الوحي إلى البشر. فالقرآن لم يُغلق بابه عند تفسير النبي ﷺ، بل ظل مفتوحًا لكل العصور، لأن النبي لم يفسر إلا عددًا محدودًا من الآيات، وترك الباب مفتوحًا للتأويل الإنساني المستمر. فالآية:
> “ثم إن علينا بيانه”
تؤكد أن بيان القرآن يتم عبر الزمن، من خلال تفاعل الإنسان مع آيات الكون والنفس، ومع تجارب المعرفة والوعي. فالبيان الإلهي لا يُختتم، بل يتجدد مع تطور الوعي الإنساني.
وفي هذا السياق، يتضح أن فهم القرآن يتطلب توازنًا بين أربعة عناصر: اللغة التي تشكل الوعاء الأول للمعنى، والعقل الذي يميز بين القيم، والتوحيد الذي يحرر الوعي من الأصنام الفكرية، والتقوى التي تصقل القلب لتلقي المعرفة. هذه العناصر هي ما يجعل الفهم القرآني حيًا ومتجددًا، بعيدًا عن الانغلاق المذهبي.
فالقرآن لا يُقرأ ككتاب جامد، بل كعملية مستمرة من التجلي والفهم والتجدد. وفي كل عصر، يتجلى معنى جديد من آياته بقدر ما يتسع وعي الإنسان وقدرته على إدراك قوانين الكون والمجتمع. ومن هنا نفهم قوله تعالى:
> “كل يوم هو في شأن”،
أي أن فعل الله في الكون يتجدد في كل لحظة، وأن فهم الإنسان لهذا الفعل يتطور تبعًا لتطور معارفه.
إن الأزمة الفكرية التي عاشها المسلمون على مدى قرون تعود إلى غياب هذا الوعي التجديدي. فبدلًا من أن يكون القرآن مرجعًا يضبط فهم السنة، أصبحت السنة والفقه وسيلة لتقييد القرآن وتأويله بما يخدم السلطة. وغابت بذلك الحرية الفكرية التي كانت جوهر الرسالة الأولى، واستُبدلت بعقيدة النقل الأعمى والتقليد.
ولذلك، فإن استعادة مركزية القرآن ليست مجرد مسألة دينية، بل مشروع نهضوي شامل يعيد ترتيب العلاقة بين النص والعقل، بين الإيمان والمعرفة، بين الوحي والإنسان. فالإسلام لا ينهض إلا حين يتحرر من سلطة التاريخ، ويستعيد طاقته الإبداعية الكامنة في نصه المؤسس.
فالقرآن، في جوهره، ليس كتاب أحكام فقط، بل وثيقة إنسانية كونية تدعو إلى التفكير، وتُعلي من شأن الحرية، وتربط بين العبادة والعمران، وبين التقوى والمعرفة. وحين ندرك أن البيان الإلهي مفتوح، وأن الاجتهاد فعل مستمر لا ينتهي، سنفهم أن الإسلام ليس دين الماضي، بل دين المستقبل.




