
مؤيد الأمين
بينما تتجه أنظار السودانيين إلى أي بارقة أمل تنهي حرب السنوات الثلاث التي أنهكتهم جوعاً وتشريداً ونزوحاً، تصاعدت أزمة سياسية وعسكرية جديدة بعد رفض التيار الإسلاموي “الكيزاني” ومن خلفه الفريق عبد الفتاح البرهان للهدنة التي طالبت بها الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر)، في الوقت الذي أعلن فيه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” موافقته على الهدنة واستعداده للشروع في تنفيذها.
هذا الرفض لا يعكس فقط إصرار الخط الإسلاموي على استمرار الحرب مهما كلّف الثمن، بل يكشف أيضاً عن فقدانهم الكامل لأي أوراق ضغط سياسية أو أخلاقية أمام المجتمع الدولي والشعب السوداني، الذي ضاق ذرعاً بالتحشيد والاستنفار ورفض كل دعوة تؤجل السلام.
*شعب أنهكته الحرب… ولم يعد يحتمل*
لقد بات واضحاً أن الشارع السوداني لم يعد يعبأ بأي خطاب تعبوي أو دعوة للقتال، بل ينظر بعين الشك والرفض لكل من يريد إطالة أمد الحرب.
ثلاث سنوات من الدمار، وفقدان سبل العيش، وتوسع رقعة النزوح جعلت مطلب الشعب واضحاً وصريحاً: وقف الحرب والعودة إلى المنازل.
رفض الهدنة من قبل الكيزان يضعهم في مواجهة شعبية مفتوحة، خاصة بعد أن فقدوا قدرتهم على تبرير الحرب أو تجميل صورتهم أمام الداخل أو الخارج.
*الرباعية… رسالة صارمة وتغيّر في المزاج الدولي*
الرباعية لم تُخفِ قلقها ولا انزعاجها من استمرار القتال، وهي تدرك أن استمرار الرفض يعني مزيداً من الانهيار في السودان ومزيداً من التعقيد في المشهد الإقليمي.
بعد قبول حميدتي للهدنة، يصبح موقف البرهان والكيزان في زاوية ضيقة، إذ أن المجتمع الدولي سيضع كامل مسؤولية استمرار الحرب عليهما، وربما يبدأ في اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل:
إعادة فرض عزلة دولية على قيادة الجيش.
تقييد الدعم السياسي والعسكري الموجه لهم.
فتح الباب أمام تدخلات لحماية المدنيين في حال استمرت الانتهاكات.
*الضغط عبر مجلس الأمن لفرض مسار سلام ملزم.*
قد لا تصل الأمور مباشرة إلى التدخل العسكري، لكن الضغط الدبلوماسي والسياسي قد يصبح غير مسبوق، خاصة إذا أُدرجت الجهات الرافضة للهدنة ضمن قوائم تعطل عملية السلام أو تشكل تهديداً للأمن الإقليمي.
*البرهان… رهان خاسر أم فرصة أخيرة؟*
المأزق الأكبر الآن يقع على عاتق البرهان نفسه. فقبوله لمنطق الكيزان واستمراره تحت وصايتهم يجعله في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي ومع الإرادة الشعبية.
الأسئلة التي تُطرح اليوم بإلحاح:
*إلى متى سيظل البرهان رهيناً للحركة الإسلامية التي فقدت كل نفوذها الشعبي؟*
وهل يتحمّل أن يُصوّر أمام الخارج كطرف يعرقل السلام ويعمّق الحرب؟
وهل يقبل الجيش، بمؤسساته وضباطه، أن يُساق كأداة في مشروع الإسلاميين بعد أن استنزفوا البلاد وأهدروا كل الفرص؟
الجيش كمؤسسة بات أمام محكّ حقيقي: إما أن يختار الوقوف مع رغبة الشعب ومع استقرار السودان، أو يستمر في الارتباط بمشروع عقائدي يضع السودان بالكامل على حافة انهيار جديد وعزلة طويلة.
*حمدتي وموافقة الهدنة… قلب الطاولة على الكيزان*
قبول حميدتي بالهدنة ليس مجرد موقف سياسي بل خطوة تعيد صياغة ميزان الضغط الدولي.
فالرباعية الآن تمتلك طرفاً مستعداً للالتزام، وطرفاً آخر يعرقل.
وهذا يخلق معادلة جديدة قد تقود إلى:
*تعزيز موقف الدعم السريع في المحافل الدولية باعتباره “الأكثر استعداداً للسلام”.*
*إضعاف خطاب البرهان والكيزان الذين كانوا يراهنون على تقديم أنفسهم كطرف شرعي*
زيادة العزلة على التيار الإسلاموي وإبعادهم أكثر عن أي تسوية سياسية قادمة.
أي خطوة من الرباعية ستُفهم الآن بناءً على هذا التباين في المواقف، وقد تُسند المبادرات لمن يقبل بها لا لمن يرفضها.
*السيناريوهات المتوقعة… إلى أين؟*
*مع استمرار الرفض من قبل البرهان والكيزان، تتبدى عدة سيناريوهات محتملة، أبرزها:*
1. تصاعد الضغط الدولي
قد تُفرض عقوبات محددة على شخصيات ترفض مسار الهدنة، وربما يعاد تصنيف بعض الجهات كمعرقلة للسلام، مما يشكل عزلة سياسية خانقة.
2. إعادة ترتيب المشهد الإقليمي
الدول الأربع، خاصة السعودية والإمارات، لم تعد تقبل استمرار الفوضى على حدودها، وقد تتحرك بثقل أكبر لفرض حل يوقف الحرب.
3. انقسامات داخل الجيش
*إذا استمر البرهان في الارتهان للكيزان، فقد تنشأ خلافات داخل المؤسسة العسكرية، خصوصاً بين من يريدون إنهاء الحرب ومن يجرهم المشروع الإسلاموي إلى صراع مفتوح بلا أفق.*
4. تدخلات لحماية المدنيين
في حال تفاقم الوضع الإنساني، قد تبدأ نقاشات جدّية حول تدخل دولي محدود لإنقاذ المدنيين، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً.
*خاتمة:*
*لحظة الحقيقة*
السودان اليوم يقف على مفترق طرق.
قبول حميدتي ورفض البرهان للهدنة وضعا الحقيقة على الطاولة دون تجميل:
طرف يريد إنهاء الحرب وفتح باب التفاوض.
وطرف آخر يقاتل معركة لا تمثل الشعب ولا تخدم سوى مشروع ضيق فقد مبررات وجوده.
الرباعية لن تقف متفرجة، والشارع لن يصمت، والجيش لن يستطيع تحمّل أن يُزجّ باسمه في حرب بلا هدف.
يبقى أمام البرهان خياران:
إما الانحياز للشعب والوطن،
أو الاستمرار في طريق العزلة والانهيار الذي لن يرحمه فيه التاريخ ولا الجنود ولا المدنيون الذين أنهكتهم الحرب.




