
المؤسف أن السطحية أضحت سمتاً عاماً في تناول كثير من القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية في السودان. نعيد إنتاج السرديات ذاتها التي فشلت في الماضي، ونسكن في ظلالها دون أن نجرؤ على مساءلتها. ما زالت العقول أسيرة تاريخ لم نعد نقرأه لنفهمه، بل نردده كطقس من طقوس الهوية. حتى الحاضر والمستقبل، أصبحا امتداداً لتلك الرؤى القديمة المتهالكة، وكأن الزمن توقف عند لحظة واحدة لا يمكن تجاوزها.
هذا الجمود لا يأتي من فراغ، بل من وعيٍ تاريخي وثقافي يعاني من نزعة مقاومة للمختلف والمغاير. من يتحدث خارج السائد يُتهم بالتعالي أو “التفلسف”، وكأن التفكير النقدي جريمة اجتماعية يعاقَب صاحبها بالعزلة أو السخرية. لذلك، يغدو النقاش حول أي فكرة جديدة ضرباً من المجازفة، في بيئةٍ تقدّس التكرار وتخاف السؤال.
إن هذا الخوف من التغيير جعلنا ندور في حلقةٍ مغلقة من الركود المعرفي. الأفكار نفسها تتناسل بأسماء مختلفة، والمواقف تتبدل شكلاً لا مضموناً. نعيش زمناً تغيب فيه الدهشة، ويُحاصر فيه الإبداع، لأن كل محاولة للتفكير المستقل تُواجَه بمنطق “اترك ما وجدنا عليه آباءنا”. وهكذا، يظل المجتمع عالقاً بين حنينٍ مفرط للماضي، وعجزٍ مزمن عن تصور المستقبل.
غير أن كسر هذه الدائرة يبدأ من الفرد نفسه. فالثورة الفكرية الحقيقية لا تحتاج إلى صخبٍ أو شعارات، بل إلى لحظة وعيٍ صامتة يدرك فيها الإنسان أن القراءة ليست ترفاً، بل سلاح وعي، وأن التفكير ليس ترفاً نخبوياً، بل واجب أخلاقي تجاه الذات والمجتمع. فحين يتعلم الفرد كيف يفكر قبل أن يتحدث، ويُدرك أن السؤال بداية الفهم، يمكن حينها أن يولد وعيٌ جديد يعيد الاعتبار للعقل، لا للعاطفة وحدها.
إن النهضة لا تبدأ بالمشروعات المادية ولا بالشعارات السياسية، بل بترميم العقول وإحياء قيمة التفكير. السطحية ليست قدراً محتوماً، لكنها نتيجة لاختيارات تراكمت عبر الزمن. وحين يختار المجتمع الضحك بدل الفهم، والعاطفة بدل العقل، فإنه يختار البقاء في الظل.
فالمجتمعات لا تنهض بالضجيج… بل بالفهم.




