رأي

البروفيسور علي عبد القادر علي: سيرة علمٍ وعطاءٍ لا ينقطع

 السفير: عادل إبراهيم مصطفي

 السفير: عادل إبراهيم مصطفي

تمرّ علينا هذه الأيام الذكرى الثالثة لرحيل العلَم الأكاديمي البارز والخبير الاقتصادي المرموق البروفيسور علي عبد القادر علي، الذي انتقل إلى رحمة مولاه في السادس عشر من سبتمبر 2022، بالعاصمة المصرية القاهرة، التي اختارها منفىً اختيارياً بعد أن تعرّض لمضايقاتٍ من السلطات الأمنية في بلده، إثر اتهامه بمعارضة نظام الإنقاذ.

كان البروفيسور علي عبد القادر واحداً من المؤسسين لجامعة الجزيرة، وبخاصة كلية الاقتصاد والتنمية الريفية، إلى جانب رفيق دربه وصديقه وسمِيّه البروفيسور علي محمد الحسن، أول عميد للكلية وأول نائب لمدير الجامعة، متّعه الله بالصحة والعافية وأطال في عمره.

وقد شغل الفقيد عدداً من المناصب الأكاديمية والبحثية والاستشارية المرموقة، منها: باحث أول في المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، ومدير قسم البحوث في المؤسسة العربية لضمان الاستثمار بالكويت، ورئيس قسم السياسات الاقتصادية في اللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة بأديس أبابا، كما انتُخب نائباً للمدير العام في المعهد العربي للتخطيط بالكويت. وإلى جانب ذلك، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات الإقليمية والدولية مثل البنك الأفريقي للتنمية، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ترك الفقيد إرثاً علمياً ضخماً من المؤلفات والأبحاث المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية، في مجالات الاقتصاد الكلي والتطبيقي، وقضايا التنمية والفقر، ورأس المال البشري، والعدالة الاجتماعية. ومن أبرز مؤلفاته:

كتاب «من التبعية إلى التبعية: صندوق النقد الدولي والاقتصاد السوداني»،

كتاب The Sudan Economy in Disarray،
إضافة إلى عشرات الأوراق البحثية المحكمة المنشورة في دوريات علمية ومؤتمرات أكاديمية دولية.

وقد عُرف بعِلمه الموسوعي وأسلوبه التحليلي العميق، وبجرأته في نقد سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكشفه لآثارها السلبية على الفقراء. وكان، فوق ذلك، رجلاً متواضعاً، كريماً، معطاءً بلا حدود. وقد صدق في وصفه صديقه وزميله الدكتور معتصم الأقرع حين قال عنه في مقال منشور: «كان يعطيك ويشعرك بأنك أنت المعطي». كما وصفه الدكتور منصور خالد في الجزء الثاني من مذكراته «شذرات وهوامش على سيرة ذاتية» بالقول بأنه: «اقتصادي متقن لعمله، وما فتئ يتحفنا بما يكتب وينشر خارج السودان».

والمؤسف بحق أن بلادنا، المنكوبة بالحكم العسكري لما يقارب ستة عقود، لم تكتفِ بعدم الاستفادة من أمثال البروفيسور علي عبد القادر في مواقع اتخاذ القرار، بل دفعتهم دفعاً إلى الهجرة القسرية، لتُضيِّع بذلك عقولاً كان يمكن أن تسهم في نهضتها.

وأقول هذا من موقع الشهادة والتجربة؛ فقد شرفت بأن كنت أحد طلابه في الدفعة الأولى بكلية الاقتصاد – جامعة الجزيرة، كما تشرفت بالعمل تحت إدارته في وظيفة مساعد باحث مؤقتة بمجلس الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية (1984-1985)، تحت إشراف الاقتصادي المعروف الدكتور صدقي كبلو. وقد أتاح لي ذلك أن أتعرف عن قرب على جانبه الإنساني المشرق، كمعلّمٍ وكمخدِّم.

ومع اقتراب جامعة الجزيرة من إكمال نصف قرنٍ من العطاء والتفوق، فإن من المناسب أن تبادر في الوقت الملائم إلى تكريم وتخليد ذكرى البروفيسور علي عبد القادر وزملائه المؤسسين – الراحلين منهم والأحياء، أطال الله أعمارهم ومتعهم بالعافية – وذلك عبر إطلاق أسمائهم على المكتبات والقاعات والمنشآت الجامعية، وإنشاء جوائز أو منح دراسية تحمل أسماءهم للطلاب المتفوقين، وتنظيم محاضرات وندوات علمية حول إسهاماتهم الأكاديمية والفكرية.

رحم الله البروفيسور علي عبد القادر علي، وجميع أساتذتنا الأجلاء الذين أسهموا في تأسيس جامعة الجزيرة وبنائها العلمي، وجعل ما قدّموا من علمٍ وعطاءٍ صدقةً جارية لهم، وأفسح لهم في أعالي الجنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!