رأي

العنصرية… داء يصيب العقل قبل أن يُصيب المجتمع

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

العنصرية ليست مجرد انحياز أعمى أو خطأ في التفكير، بل هي داء يصيب العقل والروح، لأنها تقوم على وهم التفوق الزائف على الآخرين على أساس اللون أو العرق أو الجغرافيا أو القبيلة. من يعتقد أنه أرفع من غيره بهذه المعايير السطحية إنما يقف في وجه إرادة الله نفسها، لأن الاختلاف بين البشر هو آية إلهية أرادها الخالق لتكون مصدر غنى وتكامل، لا سبباً للفرقة والعداء.

فالإنسان لا يختار لون بشرته، ولا موطنه، ولا قبيلته، لكنه يختار أخلاقه وعلمه وسلوكه، وهي وحدها التي تحدد قيمته الحقيقية. لذلك فإن أي خطاب يقوم على الكراهية أو التمييز هو تدمير ذاتي للمجتمع، لأنه يزرع الشقاق بدل التفاهم، والجهل بدل الوعي.

المؤسف أن الحروب التي عاشها السودان عبر تاريخه، ولا سيما الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، ساهمت في تأجيج هذه الخطابات المريضة. ومع كل جولة عنف، تتسع رقعة الكراهية، وتجد الجماعات المتطرفة وأصحاب الهوس الديني فرصةً لتقسيم المجتمعات على أسس عرقية وجهوية، تماماً كما فعلت الأنظمة التي حكمت السودان لعقود، فعمّقت الانقسامات وأضعفت روابط الانتماء الوطني لصالح الولاءات الضيقة.

ومع أن العنصرية ليست وليدة اليوم، بل تعود جذورها إلى ما قبل نشوء الدولة السودانية الحديثة، إلا أن أخطر ما يواجهنا الآن هو تحولها إلى ظاهرة رقمية. ففي السنوات الأخيرة، ومع اتساع فضاء الحرية على منصات التواصل الاجتماعي، ظن كثيرون أن التعبير بلا حدود هو مرادف للحرية. لكن هذا الانفتاح تحوّل إلى فوضى لفظية، وبحرٍ من الشتائم التي تمسّ الأعراض وتغذي الكراهية.

يكفي أن تفتح “فيسبوك” أو “إكس” (تويتر سابقاً) لتصطدم بكمٍّ هائل من التعليقات التي تنضح بالحقد والسخرية والازدراء. كلمات مسمومة، لا تمت للنقد البنّاء بصلة، بل تعبّر عن انهيار أخلاقي خطير يهدد نسيج المجتمع السوداني المتنوع. والمفارقة أن كثيراً من الذين يطلقون هذه الشتائم يقدمون أنفسهم بوصفهم “نشطاء” و”مدافعين عن الحرية”، غير مدركين أن الحرية التي تُفرغ من قيمها تتحول إلى أداة هدم لا بناء.

لقد عرف السودانيون تاريخياً بالتسامح والتنوع الثقافي والقبلي الذي كان مصدر قوة لا ضعف. كانت القبائل تتجاور وتتصاهر وتتعامل بروح من الاحترام المتبادل. لكن اليوم، يكشف الفضاء الرقمي عن جيل غاضب فقد ثقته في الدولة والمجتمع، فصبّ إحباطه في كلمات تزرع الفتنة وتعمّق الجراح. هؤلاء لا يمثلون الشعب السوداني، بل يمثلون انهيار منظومة القيم التي كانت تضبط السلوك العام وتمنع الانحدار نحو خطاب الكراهية.

إنّ خطر العنصرية لا يكمن في اللفظ المهين وحده، بل في الفكرة التي تحمله. حين يهاجم شخص آخر بسبب لونه أو أصله، فإنه يكرّس ذهنية الإقصاء التي دمّرت السودان لعقود. وما لم نكسر هذه الحلقة، سنظل ندور في دوامة الدم والكراهية، جيلاً بعد جيل.

العلاج يبدأ من العقل والوعي — من التربية والإعلام والتعليم والثقافة. علينا أن نعيد بناء خطاب إنساني جديد يؤمن بأن الاختلاف ليس تهديداً، بل طاقة حياة. فالسودان لا يمكن أن ينهض إلا إذا أدركنا أن الكرامة لا لون لها، وأن العدالة لا تُقاس بالعرق، وأن الإنسان هو الإنسان، حيثما كان وكيفما كان.

فالعنصرية، في نهاية المطاف، ليست مشكلة في الآخر… بل خلل في أنفسنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!