
براءة حامد
في صباحٍ قاتم من 11 أكتوبر 2025، استُيقظت مدينة الكومة شمال دارفور على وقع انفجارات أودت بحياة عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، وألحقت دمارًا هائلًا بمنازلهم ومرافقهم الأساسية. لم يكن القصف الأخير حادثًا عابرًا، بل استمرارًا لسياسة ممنهجة تستهدف المدنيين، وتحوّل سماء دارفور إلى سيف مسلط على رقاب السكان، فيما يُبرّر مرتكبو هذه الجرائم تكرار استهدافهم بالحجج المعيبة عن “الحواضن” و”الأهداف العسكرية”.
ما يحدث في الكومة ليس مجرد خطأ عسكري، بل هو سياسة عقابية واضحة تهدف إلى فرض السيطرة بالقوة وإرهاب السكان، ويفضح هشاشة أي خطاب يبرر القتل باسم الوطن أو الأمن. المدنيون، الذين اجتمعوا لأمر أهلي وبحثوا سبل حلول مجتمعية، وجدوا أنفسهم ضحايا لقصف غادر، يُظهر أن الدولة العنصرية المركزية والقوى المساندة لها ترى الشعب مجرد أرقام في لعبة سياسية قذرة.
إن هذا الاستهداف المنهجي ليس معزولًا، فهو امتداد لسلسلة طويلة من الجرائم في الجنينة ونيالا وزالنجي وغيرها من مناطق دارفور. وهو جزء من محاولة لتفكيك النسيج الاجتماعي والتفرقة بين المجتمعات على أساس قبلي وعنصري. الجيش والقوى المتحالفة معه أصبحوا أدوات لإدامة القتل ونهب الثروات، وتعمّدوا تحويل المدن والقرى إلى ساحات موت، تاركين وراءهم مأساة إنسانية لا تُغتفر.
العالم مطالب اليوم باليقظة والتحرك الجاد: التحقيق المستقل في هذه الجرائم، محاسبة المسؤولين عنها، وضمان وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين، ليست رفاهية، بل واجب إنساني وأخلاقي. كما أن على النخب السياسية والمدنية والمجتمع الدولي حماية المدنيين ووقف أي اعتداء مستقبلي، لا أن يكتفوا بالتنديد الصامت.
دماء الكومة لن تذهب هدراً؛ إنها صرخة تستدعي وحدة كل القوى الوطنية والإنسانية لإيقاف هذا المسلسل الدموي. إن حماية المدنيين، وتوفير الأمن لهم، وضمان العدالة، هي الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الكرامة الوطنية، ولإعادة بناء السودان على أسس العدالة والمساواة.
رحم الله شهداء الكومة، وألهم ذويهم الصبر، وشفّى الجرحى، ولتكن هذه المأساة دافعًا لمحاسبة المسؤولين ووقف آلة القتل التي لم تعد تميّز بين كبير أو صغير، طفل أو شيخ، امرأة أو رجل. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بالقصف والسيطرة، بل بحماية المواطنين، وخدمة الناس، وبناء وطن يليق بكرامة الإنسان.




