رأي

حرب الكيزان.. وعودة دولة التمكين من بوابة الدم

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

الحرب الدائرة في السودان اليوم ليست سوى حرب الحركة الإسلامية عبر جناحها العسكري الذي اختطف مؤسسات الدولة وحوّل الجيش إلى أداة لقمع الثورة وحماية مشروع التمكين.

إنها حرب الكيزان ضد الشعب، ضد الثورة، ضد الحلم بوطنٍ جديد حرٍّ وعادل.

ليست حربًا من أجل السيادة أو الكرامة كما يدّعون، بل حربًا من أجل استعادة دولة الفساد والنهب والاستبداد التي أسقطتها ثورة ديسمبر المجيدة.

فالجيش، منذ أن تسللت إليه الحركة الإسلامية عبر مشروع “التمكين”، لم يعد مؤسسة قومية بل صار الذراع العسكرية للكيزان التي تُدار بعقلية التنظيم لا بعقيدة الوطن.

وما يجري اليوم هو ذروة ذلك المشروع؛ محاولة يائسة من الإسلامويين لإعادة إنتاج سلطتهم المنهارة عبر الحرب التي يستهدفون بها قوات الدعم السريع — تلك القوات الوطنية التي انحازت للثورة ورفضت أن تكون أداة لقمع الجماهير — في محاولة لقطع الطريق أمام أي تحول مدني ديمقراطي.

من يتأمل مسار الأحداث منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 يدرك أن كل ما جرى كان خطة ممنهجة لإحياء النظام الإسلاموي القديم بثوبٍ جديد.

الكيزان لم يختفوا بعد سقوط البشير، بل أعادوا تموضعهم داخل الدولة العميقة، متخفّين في الأجهزة الأمنية والاقتصادية والمالية والإعلامية، منتظرين اللحظة المناسبة للانقضاض على الثورة.

ومن أبرز تجليات هذا الانقضاض ما حدث مؤخرًا بتعيين آمنة ميرغني حسن التوم محافظًا لبنك السودان المركزي — خطوة تؤكد أن دولة التمكين قد استعادت أنفاسها.

فآمنة ميرغني كانت من رموز المنظومة المالية الإسلاموية، شغلت مواقع عليا في عهد الإنقاذ، وأُبعدت بعد الثورة بقرار من لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، قبل أن يعيدها انقلاب الكيزان عبر جناحهم العسكري إلى قلب المشهد الاقتصادي.

والآن، بوضعها على رأس أهم مؤسسة مالية في البلاد، تُستكمل دائرة السيطرة على مفاصل الاقتصاد الوطني لصالح شبكات الفساد القديمة.

هذه التعيينات ليست معزولة، بل جزء من عملية إعادة تدوير ممنهجة لكوادر النظام البائد في مؤسسات الدولة، تُدار بروح الانتقام من الثورة وبمنطق “استعادة الغنيمة” لا بناء الوطن.

الحرب التي أشعلها الكيزان عبر جناحهم العسكري ليست دفاعًا عن السودان، بل محاولة لإعادة هندسة الواقع السياسي بالقوة.

فبينما تُقصف المدن وتُهجّر الأسر ويُستنزف الوطن، يجري في الخفاء إعادة تمكين الإسلامويين في الدولة تحت غطاء “الطوارئ” و”الظروف الاستثنائية”.

إنها حرب الردة التي تهدف إلى دفن ثورة ديسمبر وطمس حلم السودان الجديد.

لكن ما يجهله الكيزان هو أن الثورات لا تموت.

ومهما رفعوا شعارات الوطنية، فإن سجلهم الأسود سيظل شاهدًا عليهم — من القتل والفساد والنهب إلى إشعال الحروب ضد الشعب.

فالثورة التي أطاحت بالبشير ستنهض مجددًا، لأن جذوتها لم تنطفئ، ولأن الوعي الذي ولد من ديسمبر لا يُغتال بالرصاص.

إنها حرب الكيزان ضد الثورة، وحرب الجناح العسكري للحركة الإسلامية ضد السودان الجديد.

أما قوات الدعم السريع، فهي اليوم قوات تحرر وطني تدافع عن حق الشعب في الحرية والسلام والعدالة، في مواجهة مشروع الظلام والاستبداد.

السودان الذي حلمت به الجماهير في الشوارع لن يُبنى على رماد الفساد القديم، ولن يُدار بعقلية التمكين من جديد.

فإما دولة مدنية ديمقراطية تُعيد السيادة للشعب، أو لا وطن يستحق الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!