
مها طبيق
في خضم التحولات العميقة التي يشهدها السودان ، ومع ميلاد مشروع حكومة التأسيس كفرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة ، يبرز سؤالٌ حاسم لا يمكن تجاهله : أين النساء ؟
رغم أن المرأة السودانية كانت – وما تزال – في قلب معارك الوعي والمقاومة والبقاء ، إلا أن حضورها في مؤسسات التأسيس ظل هامشيًا إن لم يكن معدومًا . وهذا التغييب لا يُعد فقط ظلمًا لحقوق مكتسبة ، بل يُمثل قصورًا استراتيجيًا يهدد جوهر المشروع الوطني برمته .
أولًا : النساء في قلب الصراع… وخارج مراكز القرار
من جبال النوبة إلى النيل الأزرق ، ومن معسكرات النزوح إلى خطوط النار ، لم تكن النساء مجرد ضحايا ؛ بل حملن المجتمع على أكتافهن ، وابتكرن وسائل للبقاء ، ونظمن شبكات دعم ذاتي في ظل غياب الدولة .
هذا الفعل السياسي والاجتماعي العميق لا ينعكس في التمثيل السياسي الرسمي ، مما يطرح أسئلة جوهرية عن مصداقية أي مشروع يدّعي تأسيس وطن جديد ، بينما يُقصي نصفه في الواقع .
ثانيًا : الإقصاء يعيد إنتاج الدولة الفاشلة
لقد كان إقصاء النساء تاريخيًا أحد أعمدة الدولة السودانية الفاشلة ، وهو ما جعل “المواطنة الكاملة” حلمًا معلقًا ، خاصة للنساء في الهامش . واليوم ، حين تنبعث فرصة نادرة لبناء وطن جديد ، فإن استمرار هذا الإقصاء هو استعادة لنمط الحكم الذكوري المركزي نفسه ، ولو بغلاف جديد .
إن حكومة تُقصي النساء، أو تُشركهن رمزيًا ، تُقصي في الواقع العدالة والشرعية والمجتمع نفسه .
ثالثًا : المشاركة النسوية ضمانة للسلام والاستقرار
لا يمكن بناء سلام مستدام أو نظام ديمقراطي حقيقي دون مشاركة فعالة للنساء ، ليس كضحايا يُتكلم باسمهن، بل كقائدات ومفاوضات وصانعات قرار . التجارب الدولية من رواندا إلى كولومبيا ، ومن ليبيريا إلى نيبال ، أثبتت أن إدماج النساء في عمليات الانتقال السياسي يرفع احتمالات نجاح السلام بنسبة 35% على الأقل ، ويُقلل من احتمالات الانهيار أو الانتكاس .
رابعًا : من شراكة التجميل إلى الشراكة القاعدية
المطلوب اليوم ليس حصصًا رقمية للنساء ، ولا نساءً يتم تدويرهن من نخب المجتمع المدني المموّل ، بل شراكة حقيقية نابعة من القواعد ، تُعيد الاعتبار للنساء في الأحياء المقاومة، في معسكرات النزوح ، في أسواق الكدح ، وفي خطوط الصراع . هؤلاء هن من يحملن السودان على أكتافهن ، ويملكن مفاتيح المستقبل.
خامسًا : لا تأسيس بدون نساء
إذا أرادت حكومة التأسيس أن تكون مختلفة فعلًا ، فعليها أن تراجع بنيتها فورًا ، وأن تضع العدالة الجندرية القاعدية في قلب مشروعها ، لا على هامشه . وأن تُدرك أن بناء وطن يسع الجميع لا يمكن أن يُكتب على أجساد النساء ويُدار من دونهن .
خلاصة :
مشاركة النساء ليست ترفًا حقوقيًا ، بل شرطٌ لبقاء الدولة ، وضمانٌ لاستقرارها . وإن تجاهل هذه الحقيقة هو مقامرة بمصير السودان نفسه . آن الأوان لأن تفهم قوى التأسيس أن المرأة ليست طرفًا ، بل أصل في المعادلة . لا تُؤجل الشراكة ، ولا تُجمّل… بل تُؤسس




