
عبدالرحمن أبو رندة – بنسلفانيا
من المؤسف أن لا تزال بعض القوى السياسية والمدنية، رغم ما تمر به البلاد من مآسٍ، تتحدث ببرود عن “إصلاح الجيش”، وكأن في الإمكان بعث الحياة في جسد ميت، أو غسل تاريخ طويل من الدماء والخيانات بمجرد النوايا الطيبة. إن هذا الحديث، في جوهره، تعبير عن عجزٍ بنيوي في فهم طبيعة الدولة السودانية نفسها، وعن تجاهلٍ فادحٍ لجذور المشكلة التي ليست في فساد الأفراد أو القيادات، بل في طبيعة الكيان الذي أُنشئ ليكون أداة استعمارية قبل أن يُصبح مؤسسة وطنية.
لقد وُلد الجيش السوداني من رحم المستعمر، يوم كان ونجت باشا يحكم البلاد بعقلية السيد الذي يصنع أذرعه لحماية مصالحه، لا لحماية أهل الأرض. لم يُؤسَّس هذا الجيش للدفاع عن وطن، بل لتأمين سيطرة المستعمر البريطاني-المصري على شعوب السودان. ومرّت السنوات، وتبدّل الحاكم، لكن العقيدة بقيت كما هي: الولاء للسلطة، لا للشعب؛ الانقياد للمستعمر الجديد، لا لمصالح الوطن. وهكذا، دخل السودان ما سُمّي بالاستقلال، بينما بقي الجيش هو ذاته: بنية فوقية تابعة، لا روح فيها من روح الأمة.
لم يكن هذا الجيش يوماً تعبيراً عن التنوع السوداني ولا عن إرادة شعوبه. ظلَّت قياداته محصورة في فئة محددة من مناطق وأعراق معينة، تهيمن على مفاصل الدولة وتعيد إنتاج ذات المركزية التي حاربتها الشعوب منذ عقود. لقد عاش الجيش أسيرًا لثقافة الغنيمة والانقلاب والارتهان، حتى صار أداة لتكريس سلطة النخب، لا وسيلة لحماية الأرض والعرض. وأخطر من ذلك، أنه ظلّ على الدوام رهين الوصاية المصرية، يدار من وراء ستار، ويُستخدم كورقة ضغط في ملفات السياسة الإقليمية، حتى فقد أي مظهر من مظاهر السيادة أو الكرامة الوطنية.
وإذا كان من حق الشعوب أن تطمح في إصلاح مؤسساتها، فإن من العبث أن تطلب من التاريخ أن يتراجع عن خطاياه. فالجيش الذي نشأ على فلسفة السيطرة والقهر لا يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى مؤسسة ديمقراطية تؤمن بالمواطنة والعدالة. لقد تلوّثت يده بدماء الأبرياء في الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وظل لعقود طويلة يمارس القتل باسم الوحدة، وينهب الثروات باسم الوطنية. فهل يُعقل أن يُصلح هذا الجيش نفسه بنفسه؟ أم أن الإصلاح في هذه الحالة هو مجرد تجميل لوجه قديم لا يُخفي قبحه التاريخي؟
إن الدعوة لإصلاح الجيش الحالي هي في حقيقتها محاولة لإنقاذ المؤسسة لا لإنقاذ الوطن. والواقع أن ما يحتاجه السودان اليوم ليس جيشاً يُرمّم، بل جيشاً يُؤسَّس من جديد. جيش ينشأ على أسس المواطنة والمهنية، يخضع لسلطة مدنية، ويؤمن بأن حماية الشعب هي الغاية القصوى، لا أن يكون وصياً عليه أو حاكماً فوقه. جيش يخرج من رحم الدولة الحديثة، لا من رحم المستعمر، ويُبنى بعقيدة وطنية خالصة تحترم التنوع وتُقدّس الدم السوداني.
لقد آن الأوان للاعتراف بالحقيقة التي يهرب منها كثيرون: لا يمكن إصلاح ما وُلد فاسداً في جوهره. الإصلاح هنا ليس سوى وهمٍ سياسيٍّ يغطّي على فشل النخب في مواجهة جذور الأزمة. الطريق الوحيد لبناء وطن حر هو تفكيك ما تبقى من مؤسسات الاستعمار، وعلى رأسها هذا الجيش الذي تحوّل إلى رمزٍ للهيمنة والدمار. فالسودان لا يمكن أن ينهض ما لم يُفكّر أبناؤه في تأسيس جيش وطني جديد، يعكس إرادة الشعوب لا إرادة الحاكم، ويكون درعاً للحرية لا سيفاً على رقابها.
إن الجيوش التي تُبنى على الاستبداد تموت مع موت طغاتها، أما الجيوش التي تُبنى على إرادة الأمة، فإنها تبقى ما بقيت الأوطان. والفرق بينهما هو ذات الفرق بين من وُلد في رحم الحرية، ومن خرج من رحم الاستعمار.
ولذلك فإن الحقيقة المرّة التي يجب أن تُقال بصراحة هي أن الجيش الذي وُلد من رحم الاستعمار لا يمكن أن يحمي وطناً حراً — لأن فاقد الشيء لا يُعطيه، ومن لم يعرف طعم الحرية لا يمكن أن يكون حارسها.




