
في حبك يا وطن
مكين حامد تيراب
العيد يوم فرح، تتعالى فيه التهاني والبشريات، وتتنزل الدعوات في الأيام المباركة، سائلين الله أن يتقبل شهداء التحرير والتأسيس، ويشفي الجرحى، ويرد المفقودين، وأن يعيده على العباد والبلاد بالأمن واليمن والبركات.
لكن للسودانيين، يجيء العيد هذا العام مثقلاً بالحزن والأسئلة المفتوحة على وطن أنهكته الحروب، حتى بات من حقنا أن نردد: بأي حال عدت يا عيد؟
فالحرب ظلت تلازم سماء السودان لأكثر من سبعة عقود، وكانت شعوب الهامش هي الأكثر دفعاً للفاتورة؛ أرواحاً تُزهق، ودماءً تُراق، وفقراً وتشريداً وتجهيلاً ممنهجاً، في دولة تأسست على العنف أكثر مما تأسست على العدالة.
ثم جاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، لتنفجر هذه المرة في قلب الخرطوم، حاملةً معها كل إخفاقات الدولة السودانية القديمة. فالحرب، أينما اشتعلت، لا تُنتج سوى الخراب والدمار والانهيار الإنساني، حتى تضع أوزارها.
إن الواجب الوطني والأخلاقي اليوم يفرض على الجميع جعل إيقاف الحرب أولوية قصوى، تمهيداً لتأسيس الدولة السودانية التي يحلم بها السودانيون؛ دولة العدالة والمواطنة والسلام. ولهذا أكد تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) في ميثاقه ودستوره لسنة 2025م أن السلام العادل والشامل والمستدام هو المدخل الحقيقي لبناء السودان الجديد.
أما ما تقوم به سلطة بورتسودان، والحديث المتكرر عن الحوار الذي يطرحه قائد الانقلاب ومشعل الحرب عبد الفتاح البرهان، فليس سوى امتداد لمسرحيات سياسية عطّلت مسار التحول المدني الديمقراطي منذ سنوات. ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن استدام الحرب والقتل حتى تحولا إلى منهج حكم، لن يستطيع العبور إلى ضفة السلام، لأنه أسير طموحاته الذاتية، ومحاصر بجماعته الإخوانية التي ما تزال تسعى لإعادة سلطتها المنزوعة ولو على أنقاض الوطن.
إن إيقاف الحروب السودانية لن يتحقق بالشعارات ولا بالمناورات السياسية، بل يحتاج إلى إرادة وطنية جامعة، وإسناد إقليمي ودولي جديد يتجاوز إخفاقات المبادرات السابقة، ويذهب مباشرة إلى جذور الأزمة السودانية التاريخية.
فالقضية ليست مجرد وقف إطلاق نار، بل إعادة تأسيس كاملة للدولة السودانية:
تأسيس مؤسسات خدمة مدنية قومية وعادلة، وبناء مؤسسات نظامية مهنية، وتشكيل جيش وطني واحد بعقيدة خالصة، مهمته حماية الدستور والوطن والشعوب السودانية، لا حماية السلطة والانقلابات.
في هذا العيد، لا يحتاج السودانيون إلى خطابات الحرب، بل إلى أمل حقيقي يعيد إليهم الوطن… وطنٌ لا يُقتل فيه الناس بسبب هوياتهم، ولا تُشرّد فيه الأسر بسبب صراع الجنرالات، ولا يتحول فيه العيد إلى موسم جديد للحزن والانتظار.



