الطريق إلى بناء الدولة المدنية الديمقراطية (1-5) إعادة بناء العقد الاجتماعي وتأسيس الشرعية المدنية
صالح السليمي

صالح السليمي
لم يعد مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في السودان ترفًا سياسيًا أو شعارًا نخبويًا، بل أصبح خيارًا وجوديًا تفرضه نتائج الحرب المدمّرة التي كشفت هشاشة البنية السياسية والمؤسسية للدولة الموروثة من الاستعمار، القائمة على مركز مهيمن وأطراف مهمّشة. هذه الحرب، بما حملته من دمار وانقسام، أثبتت أن النموذج القديم القائم على الامتيازات التاريخية والهيمنة الإثنية والسياسية قد وصل إلى نهايته المحتومة. ومن هنا، فإن بناء عقد اجتماعي جديد يمثل الخطوة الأولى في طريق الخلاص الوطني.
أولًا: العقد الاجتماعي كمرتكز للشرعية المدنية
إنّ أي دولة مدنية ديمقراطية لا يمكن أن تنشأ في فراغ أو على إرث الإقصاء، بل تحتاج إلى عقد اجتماعي جامع يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، لا على الولاء القبلي أو الجهوي أو الديني.
هذا العقد الجديد يجب أن يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، على أساس الحقوق والواجبات المتبادلة، وأن تُستمد شرعية الحكم من الإرادة الشعبية عبر انتخابات حرة ونزيهة، لا من فوهة البندقية أو من منطق الغلبة العسكرية.
التجارب المقارنة تؤكد أن الشعوب التي خرجت من أتون الحروب الأهلية لم تجد سبيلًا للاستقرار إلا عبر إعادة بناء عقدها الاجتماعي. فجنوب أفريقيا مثلًا لم تتجاوز إرث الفصل العنصري إلا حينما أقامت نظامًا مدنيًا ديمقراطيًا يقوم على التسامح والمصالحة، بينما أعادت رواندا بناء مؤسساتها بعد الإبادة الجماعية على قاعدة المواطنة والعدالة الانتقالية. والسودان ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ إذ لا يمكنه أن ينهض ما لم يُجدّد أسس شرعيته السياسية والاجتماعية.
ثانيًا: الدروس المستفادة من الحرب الراهنة
لقد كشفت الحرب الحالية عن فشل نموذج الدولة المركزية التي ورثها السودان عن الاستعمار، والتي بنت سلطتها على القهر لا على التمثيل، وعلى الامتيازات الطبقية والإثنية لا على المساواة.
ولذلك فإن إعادة بناء العقد الاجتماعي ليست مجرد عملية سياسية، بل هي تحوّل جذري في مفهوم الدولة نفسها — من دولة مهيمنة إلى دولة مواطنة.
لقد أظهرت الأحداث أن مركز القرار لم يعد قادرًا على احتكار السلطة ولا على إدارة التنوع الوطني، وأن بقاء السودان ككيان موحّد مرهون بقدرته على تأسيس نظام مدني تعددي يضمن المشاركة الحقيقية لكل الأقاليم والمكونات الاجتماعية والسياسية.
فإما أن تُبنى دولة تقوم على العدالة والحقوق المتساوية، أو أن يستمر الانهيار والتفكك.
ثالثًا: مسؤولية القوى المدنية الديمقراطية
تقع على عاتق القوى المدنية والديمقراطية مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة. فمن غير الممكن بناء دولة مدنية ديمقراطية دون توافق وطني عريض على أسس العقد الاجتماعي الجديد. هذا التوافق يجب أن يتجاوز الانقسامات الحزبية الضيقة، وأن ينطلق من رؤية وطنية جامعة تضع مصلحة البلاد فوق الحسابات السياسية المؤقتة.كما يجب على هذه القوى أن تعمل على صياغة وثيقة تأسيسية تُعبّر عن روح الثورة السودانية، وتترجم شعارات “حرية، سلام، وعدالة” إلى أسس دستورية واضحة تضمن تداول السلطة، استقلال القضاء، وحياد المؤسسات العسكرية. فالدولة المدنية ليست شعارًا يُرفع، بل منظومة متكاملة من القيم والمؤسسات والقوانين.
رابعًا: الدور الإقليمي والدولي في دعم الشرعية المدنية
إنّ بناء العقد الاجتماعي في السودان لا يتم بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية.فهناك لاعبون أساسيون مثل الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد من جهة، ودول الرباعية (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات) من جهة أخرى. وتكمن أهمية هؤلاء الفاعلين في قدرتهم على تسهيل الحوار الوطني ودعم مسار الانتقال المدني، بشرط ألا يتحول تدخلهم إلى وصاية أو إعادة إنتاج لنظام الهيمنة القديم. ومن الضروري كذلك أن تدرك دول الرباعية، وخاصة الولايات المتحدة، خطورة الطموحات المصرية في الساحة السودانية، والتي تسعى إلى إعادة إنتاج نموذج الدولة العسكرية المركزية الذي فشل وأشعل الحروب. فأي دعم ضمني لإحياء هذا النموذج لن يؤدي إلا إلى تأبيد الأزمة وفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراع. بالمقابل، يُنتظر من الاتحاد الأفريقي أن يلعب دورًا إيجابيًا واستباقيًا في تعزيز المسار المدني، من خلال تبني آلية قارية لحماية التحول الديمقراطي في السودان، مستفيدًا من تجاربه السابقة في كل من إثيوبيا وكنيا وغانا، حيث لعبت الوساطات الأفريقية دورًا حاسمًا في بناء التوافقات الوطنية. كما يمكن للأمم المتحدة، عبر خبرائها في بناء السلام وإدارة المراحل الانتقالية، أن تساهم في تسهيل الحوار الوطني وضمان التوازن بين المكونات، شرط أن تبقى العملية سودانية القيادة والملكية.
خامسًا: نحو تأسيس الشرعية المدنية الجديدة
إن إعادة بناء العقد الاجتماعي ليست هدفًا في حد ذاتها، بل هي الخطوة الأولى لتأسيس الشرعية المدنية التي تُعيد الاعتبار للدولة وتمنحها قدرتها على تمثيل جميع مواطنيها. هذه الشرعية يجب أن تقوم على ثلاثة أسس:
1. المواطنة المتساوية كمرجعية عليا للحقوق والواجبات.
2. المؤسسات الديمقراطية التي تضمن تداول السلطة والمساءلة.
3. القانون المستقل الذي يحمي الجميع من هيمنة الفرد أو الجماعة.
وقد أشارت الرباعية الدولية في بيانها الأخير إلى ضرورة “الالتزام بالتحول المدني الشامل وبناء مؤسسات حكم تمثل جميع السودانيين”، وهي إشارة ينبغي أن تُترجم عمليًا في أي عملية سياسية قادمة، لأنّ تجاوزها سيعيد البلاد إلى نقطة الصفر.
خاتمة
إن الطريق إلى الدولة المدنية الديمقراطية يبدأ من إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس العدالة والمواطنة والشرعية الشعبية. ولن يتحقق السلام الدائم في السودان إلا إذا أصبحت الدولة خادمة لمواطنيها لا سيدًا عليهم، وأصبحت مؤسساتها تُدار بالعقل لا بالبندقية. فهذا العقد الجديد ليس وثيقة قانونية فحسب، بل هو ميثاق أخلاقي يربط بين ماضي السودان المؤلم ومستقبله الممكن.
وفي ذلك، تتجلى اللحظة التاريخية التي إما أن تُعيد للسودان روحه، أو تُكرّس ضياعه.



