
نجم الدين دريسة
“حين تتحد الإرادات الحرة حول قيمة العدل، يصبح الحلم بوطن جديد ممكناً، ويغدو المجتمع المدني قلبه النابض.”
في مشهد استثنائي يجسد روح المسؤولية الوطنية، احتضنت العاصمة الأوغندية كمبالا الملتقى التفاكري للمجتمع المدني السوداني، الذي جمع عدداً كبيراً من المنظمات الفاعلة في الفضاء المدني والإنساني. كان اللقاء لحظة تأمل عميقة في مسار العمل المدني، ومحاولة جادة لإعادة تعريف دوره في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي يعيشها السودان. فقد جاءت النقاشات صريحة وجريئة، تبحث عن السبل الممكنة لإعادة بناء الفعل المدني على أسس جديدة، تواكب روح العصر وتستجيب لتحديات الواقع.
لم يكن الملتقى مجرد لقاء تنسيقي، بل منصة فكرية جرى خلالها تناول القضايا النظرية والمفاهيمية المرتبطة بالمجتمع المدني، والتأمل في الاختلالات التاريخية التي رافقت نشأته ومسيرته. وقد خلص المشاركون إلى ضرورة بناء تحالف عريض يضم كل الفاعلين في المجال المدني، تحالف يعمل على تصحيح المسار وتوحيد الجهود من أجل تأسيس مجتمع مدني حديث يضع الإنسان في مركز اهتمامه ويعيد الاعتبار لقيم المشاركة والشفافية والمساءلة.
وقد جاءت كلمات القيادات المشاركة من تحالف السودان التأسيسي وحكومة السلام والوحدة الوطنية لتؤكد هذا الاتجاه، حيث شدد رئيس الوزراء محمد الحسن التعايشي على أهمية استقلالية منظمات المجتمع المدني وضرورة تحررها من التبعية لأي سلطة سياسية، داعياً إلى بناء منظمات جديدة أكثر قدرة على التعبير عن مصالح الناس وطموحاتهم. وأكدت هذه المداخلات على أن العمل المدني يجب أن يكون شريكاً حقيقياً في عملية التحول الديمقراطي وبناء الدولة المدنية المنشودة.
واتفق الحضور على أن التحالف الجديد ليس مجرد مظلة تنسيقية بل مشروع وطني لإعادة تأسيس العلاقة بين المجتمع والدولة، على قاعدة من القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاحترام المتبادل. فهو يسعى إلى استعادة الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وترسيخ ثقافة الحوار والعمل الجماعي، باعتبار أن التغيير الحقيقي يبدأ من المجتمع نفسه لا من فوقه.
إن تدشين تحالف المجتمع المدني السوداني في كمبالا يمثل لحظة فارقة في مسار العمل المدني، وبشارة بولادة وعي جديد يستمد قوته من الإرادة الحرة والتنوع الخلاق. فهو ليس فقط مشروعاً تنظيماً، بل رؤية لمستقبل السودان القائم على المواطنة والكرامة الإنسانية والسلام. وكما يقول المثل الإفريقي: “إذا أردت أن تذهب بسرعة فاذهب وحدك، وإذا أردت أن تذهب بعيداً فاذهب مع الآخرين.” وهكذا اختار الفاعلون المدنيون أن يمضوا معاً… نحو وطنٍ يسع الجميع.




