اكتوبر ذكري برائحة الدم والبارود

اكتوبر ذكري برائحة الدم والبارود
بقلم: خالد النيل جمعة سهل
يحلّ علينا أكتوبر، ومعه تفيضُ جراحُ النفوس، وتتداعى مراراتُ القهر والغبن، ومرّ الحزنِ والألم. شهرٌ يعودُ ليُوقظَ في أعمقِ أعماقنا حرقةَ الفقدِ واللوعات، ويفتحَ مآقي الدموعِ جمرًا على من غابوا عنّا ورحلوا في مثلِ هذه الأيامِ من العامِ الماضي، مخلّفين في الحشا سعيراً لا ينطفئ، وفي الروحِ حسرةً لا تزول.
يمرُّ عامٌ على رحيل شهداء 17 اكتوبر وعلي رأسهم الناظر سليمان جابرجمعة سهل، وما زالت المزروب تحمل في ذاكرتها جرحاً لم يندمل، وسؤالاً لم يجد بعد الإجابة التي تليق بحجم الفاجعة.
عامٌ مضى منذ أن غاب الرجل الذي إرتبط اسمه في وجدان أهله بمعاني المسؤولية، والحكمة، وحفظ التوازن الاجتماعي. غاب الناظر جسداً، لكنه لم يَغِب عن ذاكرة الناس؛ فقد بقي حاضراً في المجالس، وفي أحاديث الناس، وفي كل سؤالٍ عن المصير الذي آلت إليه المزروب بعد تلك الحادثة.
ولذلك فإن وقفنتا اليوم في الذكرى الأولى لاستهداف الادارة الاهلية ليس مجرد استعادة للحزن، ولا وقوفاً عند مشهد الفقد؛ بل هي وقفة أمام التاريخ، وأمام جملة من الأسئلة التي ما زالت معلقة في فضاءٍ مثقل بالحرب والاضطراب:
لماذا استهدف الناظر ابو جابر في ذلك التوقيت؟ ومن كان المستفيد من غيابه؟ وهل كانت العملية معزولة عن السياق الأوسع الذي كانت تعيشه المنطقة؟
هذه الأسئلة لا يجوز دفنها مع شهداء 17 اكتوبر .
مكانة الناظر، في بنية المجتمع المحلي، أكبر من مجرد لقب أو وظيفة. فالإدارة الأهلية في المجتمعات الريفية ليست مؤسسة هامشية؛ بل هي واحدة من الآليات الاجتماعية التي حفظت التوازن، ومنعت الانفلات، وجمعت كلمة الناس حين اضطربت الدولة وغابت مؤسساتها .
ومن هنا يمكن فهم حجم الفراغ الذي يمكن ان يخلّفه تغييب الناظر ابوجابر .
فحين يُستهدف أحد الرموز الاجتماعية المؤثرة في زمن الحرب، فإن الخسارة لا تتوقف عند حدود الأسرة، وإنما تمتد إلى المجتمع بأسره. وإذا كان من بين أهداف الجريمة إضعاف المجتمع المحلي، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعدها هو أن تتحول الفوضى إلى واقع، وأن يتحول الخوف إلى وسيلة للتهجير، وأن تتحول معاناة الناس إلى مادة للمتاجرة السياسية أو الاقتصادية، وهذا بالضبط هدف الجهات التي استنهدفته .
وقد ظل هذا التصور حاضراً في أحاديث أبناء المزروب، الذين يرون أن ما جرى للناظر لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي كانت تعيشه المنطقة.
لكن التاريخ لا يُكتب بالانطباعات وحدها، والعدالة لا تُبنى على الروايات المتداولة. ولذلك فإن الطريق الصحيح هو تحقيق مستقل وشامل وشفاف يكشف الحقيقة، ويحدد المسؤوليات(من أمر ،من نفذ، من تعاون، من تخابر،من أرشد،من دعم، من حرض ) ويحاسب كل من تثبت صلته بالجريمة، أياً كان موقعه أو انتماؤه.
العدالة تبدأ بخطوة ،ولهذا، فإن ذكرى شهداء 17 اكتوبر يجب أن تتحول من مناسبة سنوية للرثاء إلى مسار عملي من أجل العدالة.
وندعوالجهات الوطنية والدولية المعنية بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، متى كان ذلك متاحاً قانونياً، للمطالبة بمتابعة القضية وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من المساءلة.
والأهم أن تكون المطالبة بالعدالة سلمية وقانونية؛ فلا ثأر، ولا انتقام جماعي، ولا اتهامات عشوائية، ولا استهداف للأبرياء.
فالعدالة الحقيقية لا تساوي بين الجاني والضحية، لكنها أيضاً لا تسمح بأن تتحول جريمة اغتيال إلى ذريعة لجرائم جديدة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد اغتيال الرموز الاجتماعية هو أن يتحول المجتمع إلى مساحة مفتوحة أمام مشاريع الآخرين.
والمزروب ليست غنيمة حرب، وليست أرضاً بلا أصحاب، وليست قضية يمكن أن يتاجر بها من يبحث عن النفوذ أو المال أو المكانة.
المزروب مجتمع له ذاكرة، وأرض، وحقوق، وقيادات، وتاريخ اجتماعي عريق،وإذا كان أهلها قد دفعوا ثمناً باهظاً بسبب الحرب، فإن حقهم في البقاء في أرضهم، وحماية أرواحهم وممتلكاتهم، ورفض تهجيرهم، لا ينبغي أن يكون موضع مساومة.
إن المتاجرة بمآسي المدنيين جريمة أخلاقية، أياً كان مرتكبها أو شعاراته. وتحويل نزوح الناس إلى وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية لا يمكن أن يكون حلاً لقضيتهم، بل هو استمرار لمعاناتهم بصورة أخرى.
في الذكرى الأولى، ربما يكون أفضل وفاء للناظر سليمان جابرجمعة سهل ورفاقه هو التمسك بالقيم التي استشهدو من اجلها والسير علي طريقهم .
فالمزروب اليوم علي قلب رجل واحد أكثر من أي وقت مضى،مجتمع متماسك، وإدارة أهلية مسؤولة، وشباب يدركون أن مستقبل منطقتهم لا يمكن أن يُبنى بالثأر، وإنما بالوعي والتنظيم وحماية المدنيين والتمسك بالحق والعدالة والمحاسبة .
لقد رحل الرجل، لكن المسؤولية لم ترحل معه.
مسؤولية أهله، وأبناء مجتمعه، وكل من يؤمن بأن المزروب تستحق مستقبلاً آمناً ومستقراً.
وفي هذه الذكرى نقول:
لن ننسى.
نريد الحقيقة، لا الثأر.
نريد العدالة، لا الفوضى.
نريد حماية المدنيين، لا تهجيرهم.
نريد المزروب لأهلها، لا ساحةً للمتاجرة بمعاناة أهلها.
ويبقى السؤال الأكبر معلقاً أمام التاريخ:
من قتل الناظر سليمان جابرجمعة سهل؟ ولماذا؟ ومن أراد لغيابه أن يكون بدايةً لفوضى أكبر؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ملكاً لأسرشهداء 17 اكتوبر وحدها، وإنما هي حق للمجتمع كله.
رحم الله الناظر ابو جابر ورفاقه ، وغفر لهم، وأكرم نزلهم، وجبر كسر أهلهم ومحبيهم.
ورحم الله كل من فقدناهم في هذه الحرب، وحفظ أهل المزروب من الفتن والتهجير، وأعاد إلى المنطقة أمنها وسلامها.
عامٌ مضى على الرحيل، لكن الحقيقة لا ترحل.
والعدالة قد تتأخر، لكنها تظل حقاً لا يسقط.



