رأي

نيفاشا نهاية الحلم الوطني وبداية السودان الممزق (2005–2011)

مها طبيق

 

مها الهادي طبيق

حين تم توقيع اتفاق نيفاشا في عام 2005 ، ظنّ السودانيون أنه سيكون نهاية الحرب الأهلية الثانية وبداية عهد جديد من السلام . لكن سرعان ما اتضح أن الاتفاق كان تأسيسًا لنظام ثنائي هشّ بعيدا عن إصلاح حقيقي لبنية الدولة ،حكومة في الخرطوم تمثل الشمال ، وسلطة شبه مستقلة في جوبا تمثل الجنوب . ومن هذه الثنائية ، وُلد الانفصال رسميًا عام 2011 .

كانت الدولة بعد نيفاشا ضعيفة ومجزأة . فحكومة الوحدة الوطنية التي تشكّلت آنذاك غير متماسكة ، إذ تقاسم الشمال والجنوب القرار بطريقة غير متوازنة . الجيش بقي شماليًا في هيكله وقيادته ، رغم دمج بعض الوحدات الجنوبية شكليًا . أما الاقتصاد ، فكان النفط محور الخلاف الأكبر . فمعظم الحقول في الجنوب ، بينما بقيت مصافي التكرير وخطوط النقل في الشمال ، مما جعل كل طرف يشعر بأن الآخر يحاول السيطرة على موارده .

أما على صعيد الهوية والقانون ، لم تُبنَ مؤسسات وطنية جامعة . فظلت القوانين مختلفة بين الشمال والجنوب ، واستمرار الخطاب الديني في الخرطوم عمّق شعور الجنوبيين بالاغتراب .

في السنوات التالية ، فشل الطرفان في بناء الثقة . برامج المصالحة كانت رمزية أكثر من كونها عملية ، ودمج الجنوبيين في مؤسسات الدولة الذي تمّ بشكل محدود وتحت رقابة سياسية مشددة . أما المجتمع الدولي ، فكان دوره أقرب إلى المراقبة ، مما جعل العلاقة بين الشريكين تتآكل تدريجيًا حتى فقدت الثقة تمامًا .

وجاء استفتاء الجنوب في عام 2011 ليكون محطة الحسم . أُنشئت لجان بإشراف الأمم المتحدة ، وسُجل الناخبون ونُظمت العملية بشكل واسع . وكانت النتيجة ساحقة : أكثر من 98% من الجنوبيين صوّتوا لصالح الانفصال . كان ذلك إعلانًا واضحًا لنهاية الصبر على شراكة غير متكافئة ، الخرطوم حاولت امتصاص الصدمة عبر بعض الوعود ، لكنها لم تعترف بأسباب الأزمة الحقيقية . أما المجتمع الدولي ، فاعتبر ذلك الانفصال نجاحًا للسلام ، بينما كان في الواقع بداية لمرحلة جديدة من التمزق الوطني .

بعد الانفصال ، واجه الجنوب دولة جديدة مليئة بالتحديات . لم تكن هناك مؤسسات راسخة ، ولا توافق حول الهوية أو الحدود ، وسرعان ما اندلعت الخلافات حول النفط والأمن والحدود . في المقابل ، خسر الشمال أكثر من 75% من عائداته النفطية ، واشتعلت النزاعات في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ، لتعود الأزمة إلى قلب الدولة المركزية . وهكذا، تكوّن واقع جديد : شمال بلا موارد، وجنوب بلا استقرار ، ووطن بلا مشروع جامع .

عند النظر إلى التجربة من واقع نقدي ، يمكن القول إن اتفاق نيفاشا كان في جوهره بداية الانفصال غير المعلن . فقد تجاهل جذور الأزمة البنيوية التي تتمثل في المركزية والتهميش والاحتكار الاقتصادي . وبخروج الجنوب ، انتقلت مشكلة الانقسام إلى داخل الشمال نفسه . وبذلك انتهى حلم السودان الموحد ، وبدأ عهد السودان الممزق — وطن يبحث عن عقد اجتماعي جديد لم يُكتب بعد .

مها الهادي طبيق

21 اكتوبر 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!