
عندما يتحوّل الدين إلى أداة للسلطة
عماد جدو
منذ أقدم العصور، ظلّت أخطر الحركات هي تلك التي ترتدي ثوب الدين وهي تطلب الحكم. فالدين في جوهره إيمانٌ وروحانية، لكن ما إن يوضع في يد السياسي الباحث عن سلطة حتى يتحوّل إلى سلاحٍ للتعبئة والقهر.
من فارس القديمة إلى خراسان
بعد مقتل أبي مسلم الخراساني في خراسان، ظهرت حركات ادّعت القداسة لتُخفي جوهرها السياسي. من أبرزها حركة هاشم بن حكيم المعروف بـ”المقنّع”، الذي أقنع أتباعه بأن طاعته طاعة لله، وادّعى صفاتٍ إلهية جعلت نقده جريمةً دينية. ثم جاءت حركة بابك الخُرّمي، التي ذهبت أبعد، إذ رفعت الولاء للجماعة فوق أي قيمة أخرى، واعتبرت الخارج عنها خارجاً عن الإنسانية نفسها. وصلت الأمور إلى ممارسات صادمة، باسم القداسة، لتأكيد سيطرة الجماعة على عقول وأجساد أتباعها.
من خراسان إلى الخرطوم
في السودان، بعد سبعينيات القرن الماضي، أعاد الإخوان المسلمون إنتاج الفكرة نفسها، لكن بلغةٍ حديثة وشعاراتٍ براقة. لم يكن الدين عندهم وسيلة إصلاح بقدر ما كان أداة هيمنة، والولاء للتنظيم صار مرادفاً للإيمان. أما المخالف، فعدوّ في الدنيا ومطرودٌ من رحمة الله في الآخرة.
وقد تجلّى هذا في شعارهم الأشهر:
«نحن للدين فداء، فلتَرُقْ منهم الدماء أو تَرُقْ كل الدماء».
شعارٌ يلخص ذهنية ترى الدم ثمناً عادياً لبقاء التنظيم، لا لنصرة الدين كما يُزعم.
تكرار النمط وإن اختلف السياق
ليس بين حركات فارس القديمة والإخوان صلة مباشرة في العقيدة أو التاريخ، لكن يجمعهما نمط التفكير ذاته:
- دينٌ يُختزل في جماعة.
- زعيمٌ يُرفع إلى مقام القداسة.
- خطابٌ استئصاليّ يصوّر المخالف عدواً لله.
وبهذه البنية الفكرية، يتحول الدين من نورٍ وهداية إلى أداةٍ للسيطرة، ومن وسيلةٍ للإصلاح إلى مبررٍ للعنف والإقصاء.
الخاتمة
التاريخ لا يكرر نفسه حرفياً، لكنه يعيد إنتاج أنماطه. فالمقنّع الذي أخفى وجهه في خراسان، لم يمت؛ بل عاد بأقنعة جديدة في كل زمان ومكان. يعود حين يرفع السياسي المصحف في يدٍ والسيف في الأخرى، وحين تختلط الجماعة بالدين، حتى يصير الإيمان سلطةً عمياء.
وما لم يفرّق الناس بين الدين باعتباره عقيدةً جامعة، وبين الجماعة بوصفها أداة حكم، سيبقى “المقنّع” و”بابك” يتكرران… حتى في قلب الخرطوم.
4 أكتوبر 2025م




