رأي

بيان الاتحاد الأوروبي عن السودان… نوايا طيبة في طريق خاطئ

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

أصدر الاتحاد الأوروبي مؤخرًا بيانًا جديدًا حول الحرب في السودان، أدان فيه النزاع الدائر ودعا إلى مفاوضات شاملة لوقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية تؤدي إلى حكم مدني شامل. ورغم ما يحمله البيان من نوايا طيبة ومواقف مبدئية ضد العنف ومع دعم الشعب السوداني، إلا أنه — مثل غيره من المواقف الدولية — يعيد إنتاج سرديات خاطئة عن طبيعة الأزمة السودانية، ويعكس قصورًا عميقًا في فهم جذور الصراع وتركيبته التاريخية والاجتماعية.

فالبيان الأوروبي ينطلق من فرضيات تقليدية عن “وحدة السودان وسلامة أراضيه” و”مسؤولية الطرفين عن إنهاء الحرب”، متجاهلًا أن الأزمة الحالية ليست مجرد صراع بين جيشين متنافسين على السلطة، بل هي نتيجة انهيار نموذج الدولة المركزية التي ورثها السودان من الاستعمار، دولة احتكرت السلطة والثروة لعقود، وأقصت الأطراف والمناطق المهمشة من التمثيل والمشاركة في صنع القرار.

هذه الرؤية الأوروبية تختزل المأساة السودانية في مشهد سياسي ضيق، وتغفل أن الحرب هي عرض لمرض أعمق، مرض الدولة الأحادية التي فشلت في إدارة التنوع والاعتراف بالآخر. لذلك، فإن أي حديث عن “استقرار” أو “وحدة” دون معالجة هذه المظالم البنيوية لن يقود إلا إلى تكرار المأساة في صور مختلفة.

كما أن الدعوة إلى “حكم مدني شامل وتمثيلي” تبدو في ظاهرها تقدمية، لكنها تبقى بلا معنى ما لم يُعاد تعريف من هو “المدني” ومن يملك شرعية التمثيل. فالنخب التي تتحدث باسم المدنية ظلت في كثير من الأحيان امتدادًا لنظام المركز القديم، بينما جرى تهميش القوى الحقيقية التي صنعت التغيير — من لجان المقاومة والحركات الشبابية إلى المجتمعات المحلية والإدارات الأهلية.

الأخطر من ذلك أن الاتحاد الأوروبي، شأنه شأن القوى الغربية الأخرى، ينظر إلى السودان من زاوية المصالح الجيوسياسية، لا من زاوية العدالة والتحول التاريخي. فهواجس الهجرة غير النظامية، وأمن البحر الأحمر، وتوازنات القرن الإفريقي، تظل هي المحركات الخفية خلف خطاب “القلق الأوروبي” على وحدة السودان واستقراره.

إن الاستقرار الذي يسعى إليه الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يتحقق ببيانات الإدانة ولا بمبادرات فوقية تعيد إنتاج نفس المنظومة التي أوصلت السودان إلى هذا الانهيار. فالحل الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن الدولة القديمة قد ماتت، وأن السودان الجديد لا يمكن أن يُبنى إلا على عقد اجتماعي جديد، يُعيد توزيع السلطة والثروة، ويعترف بتعدد الهويات والأقاليم، ويمنح صوتًا حقيقيًا للمهمشين.

إن على الاتحاد الأوروبي أن يراجع مقاربته وأن ينصت إلى الأصوات التي لا تجد طريقها إلى طاولات التفاوض. فسلام السودان لن يُفرض من الخارج، ولن يُصنع في بروكسل أو واشنطن، بل سيولد من الداخل عندما يُسمح لأبنائه بإعادة تعريف دولتهم خارج حدود السرديات الاستعمارية القديمة. عندها فقط يمكن للنوايا الطيبة أن تجد طريقها الصحيح.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!