رأي

أكتوبر… الثورة التي علمت الشعوب أن الصوت أقوى من الرصاصة

رأي التنوير في ذكري ثورة اكتوبر المجيدة

 

صوت التنوير في ذكري ثورة أكتوبر 

تمرّ اليوم الذكرى الحادية والستون لثورة أكتوبر المجيدة، تلك الثورة التي اندلعت في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود، لتسطر واحدة من أنبل صفحات التاريخ السوداني والعربي، حين خرج الشعب كله — طلابًا وعمالًا وأطباء ومحامين ومزارعين — يهتفون للحرية والديمقراطية، ويسقطون أول نظام عسكري في إفريقيا والعالم العربي بإرادة سلمية خالصة.

كانت ثورة أكتوبر نتاج تراكم طويل من القهر والاحتقان، حيث ضاق السودانيون ذرعًا بسياسات النظام الأوتوقراطي الذي صادر الحريات، وكمّم الأفواه، وأدار البلاد بعقلية الأوامر العسكرية. لم تكن الثورة فعل غضب عابر، بل كانت لحظة وعي جمعي تبلورت فيها إرادة الأمة لاستعادة كرامتها وحقها في الحكم المدني. فحين خرج طلاب جامعة الخرطوم في مظاهرات احتجاجًا على قمع النظام، سرعان ما التحق بهم كل أطياف الشعب، لتتحول شرارة الغضب إلى نار ثورة شاملة أسقطت النظام في أيام معدودة.

تميزت ثورة أكتوبر بطابعها السلمي وحضورها الشعبي الواسع. لم تكن ثورة حزب أو نخبة، بل كانت ثورة وطن بأكمله. في الشوارع والميادين، التقت أجيال مختلفة على حلم واحد: الحرية. كان المشهد مهيبًا — نقابات تنظم الإضرابات، وطلاب يرفعون الشعارات، وجماهير تهتف في وجه الرصاص بلا خوف. لقد كان صوت الجماهير في تلك الأيام أعلى من صوت البنادق، وأقوى من جدار القمع.

أكتوبر لم تكن فقط ثورة على نظام عبود، بل كانت أيضًا ثورة على فكرة الحكم المطلق، على ثقافة الخضوع والخوف، وعلى وهم أن العسكر وحدهم من يملكون مفاتيح الدولة. لقد أكدت للعالم أن الشعب السوداني لا يُهزم، وأنه قادر على استعادة زمام أمره متى ما شاء. كانت أكتوبر رسالة خالدة بأن الحرية تُنتزع ولا تُمنح.

لكن، بعد أكثر من ستة عقود على تلك اللحظة الفارقة، يبدو أن السودان ما زال يدور في الدائرة ذاتها — دائرة الانقلابات، والخيبات، ومحاولات العودة إلى حكم العسكر. وهذا يدعونا اليوم إلى وقفة تأمل: ماذا فعلنا بإرث أكتوبر؟ هل حافظنا على قيمها؟ أم أننا سمحنا للأحلام أن تذبل تحت ركام الصراعات؟

إن إحياء ذكرى أكتوبر لا يجب أن يكون مناسبة للبكاء على الماضي، بل لاستلهام دروسه من جديد. فالثورة التي أسقطت نظام عبود يمكن أن تُلهمنا اليوم في مواجهة كل أشكال الاستبداد والعنف. جوهر أكتوبر لم يكن في سقوط النظام فحسب، بل في ميلاد وعي جمعي يؤمن بأن التغيير يبدأ من الناس، ومن إرادتهم الحرة.

رحم الله شهداء أكتوبر الذين فتحوا لنا باب الحرية بدمائهم، وجعلوا من السودان منارة تلهم الشعوب من بعده. واليوم، ونحن نعيش زمنًا تتجدد فيه الأحلام رغم الألم، تبقى ذكرى أكتوبر نبراسًا يذكّرنا بأن طريق الخلاص يبدأ من الإيمان بأن الشعب، مهما أُنهك، لا يموت صوته، ولا تُكسر إرادته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!