رأي

في الفاشر… حين غلبت الإنسانية رائحة البارود 

براءة حامد

 

 براءة حامد

في زمنٍ تداخلت فيه الدماء بالرماد، وذابت فيه ملامح الرحمة تحت ثقل الحرب، برزت من قلب الميدان بمدينة الفاشر صورة إنسانية مدهشة، كان أبطالها جنود قوات الدعم السريع. مشهدٌ لم تصنعه الكاميرات ولا ترتيبات العلاقات العامة، بل صنعته الفطرة السليمة حين غلبت إنسانية المقاتلين على قسوة السلاح.

فقد أظهرت المقاطع المصوّرة الخارجين من المدينة من عسكريين ومدنيين وهم يُسلَّمون إلى ذويهم بأمان، وسط فرحةٍ غامرة وزغاريدٍ تعلو أصواتها على وجع الحرب. وجوهٌ أشرقت بالطمأنينة بعد خوف، وقلوبٌ استعادت النبض بعد الرعب. كانت تلك اللحظات تُجسّد معنى النُبل في الميدان، حين تتحول القوة إلى حماية لا انتقام، والانتصار إلى قيمة أخلاقية لا عسكرية.

لم يكن ما فعلته قوات الدعم السريع مجرّد تصرّفٍ إنساني عابر، بل موقفًا أخلاقيًا يعبّر عن فهمٍ عميق للفرق بين العدو والمواطن، وبين من يحمل السلاح ومن يستحق الحياة. إنها رسالة بليغة تقول: “نحارب من أجل الشعب، لا ضده”، وهي الجملة التي تختصر فلسفة الحرب حين تُدار بعقلٍ وضمير.

مشهد استقبال الخارجين من المدينة أعاد الأمل بأن السودان لا يزال يحتفظ ببذرة الخير مهما اشتدت العواصف، وأن الوطنية ليست في رفع الشعارات، بل في احترام الإنسان مهما كان موقعه أو موقفه.

لقد جسّد هؤلاء المقاتلون معنى أن تكون الجندية أخلاقًا قبل أن تكون أوامر، وأن الكرامة الحقيقية لا تتحقق في لحظة النصر، بل في طريقة التعامل مع المهزوم. فالقوة التي لا تضبطها القيم تتحول إلى بطش، أما التي تقودها الرحمة فتغدو شرفًا.

وفي خضم هذا المشهد النبيل، تذكّرنا أن الحروب مهما طال أمدها لا تقتل الخير كله، وأن في كل بارودٍ دخان، هناك شعاع إنساني يصرّ أن يضيء الطريق.

“في الحروب، لا ينتصر الأقوى… بل من يحافظ على إنسانيته حتى النهاية.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!