
نجم الدين دريسة
“حين يشتعل العالم بالظلم، تكون العدالة أول بذرة تُنبت من الرماد.”
من بين الركام الذي خلّفته الحروب، ومن تحت أنقاض المدن التي أكلتها نيران الطغيان، يتخلق وعيٌ جديد في السودان — وعيٌ يرفض الاستعلاء، ويثور على طبقات الظلم التي تراكمت عبر عقودٍ من الغبن والتهميش. فها هو التاريخ يفتح صفحاته على لحظة فارقة، لحظةٍ يدرك فيها السودانيون أن ما تهدّم ليس بيوت الطين والحجر فحسب، بل منظومةٌ فكرية وأخلاقية كاملة صنعتها النخب حين جعلت من السلطة ميراثًا، ومن الامتياز قدرًا، ومن الآخر عبئًا لا شريكًا في الوطن.
إنّ المأساة السودانية ليست طارئة، بل هي نتيجة طبيعية لمسارٍ طويلٍ من الإنكار والتعالي الأخلاقي. فحين كان الناس يُهجَّرون من قراهم، وتُحرق مزارعهم، وتُنتهك كرامتهم، ظلت النخب في غفلتها تتحدث عن “الدولة” و”السيادة” و”المصلحة الوطنية” دون أن تسأل عن الإنسان الذي تدّعي حمايته. لم تدرك تلك النخب أن الوطن لا يُقاس بعدد مؤسساته ولا بمساحاته، بل بمدى عدالته وقدرته على احتضان جميع أبنائه دون تمييز.
“الحرية لا تُقاس بما نملكه، بل بما نرفض أن نخسره من كرامتنا.”
لقد انهارت الأوهام القديمة التي بُنيت على فكرة المركز الواحد، وامتياز الجغرافيا، وسلطة الانتماء الضيق. وما عاد ممكناً أن يُعاد بناء السودان على ذات الأسس التي أفرزت حروبه ومآسيه. فكل حجرٍ سقط من جدار الاستعلاء هو إعلان ميلادٍ جديد لوطنٍ يقرّ بأن المواطنة وحدها هي المعيار الأوحد للحقوق والواجبات الدستورية.
لم يعد الصمت ممكناً. فالدماء التي سالت، والقرى التي أُحرقت، والوجوه التي أنهكها النزوح، كلّها باتت شاهداً على أن مشروع الإقصاء لا يبني وطناً، بل يهدمه حجراً بعد حجر. لكنّ وسط العتمة يتبدّى الأمل كوميضٍ بعيد، لأنّ الشعوب التي تعلّمت معنى الألم، هي وحدها القادرة على صناعة المعنى الجديد.
اليوم، يقف السودان على أعتاب لحظةٍ فلسفية وإنسانية نادرة؛ لحظة وعيٍ جماعيّ بأنّ الخلاص لن يأتي من البنادق ولا من شعارات الهوية الفارغة، بل من شجاعة مواجهة الذات، ومحاسبة الذاكرة، والاعتراف بالخطايا التاريخية التي ارتُكبت في حق الإنسان السوداني. فمن دون هذا الاعتراف، لن يولد وطنٌ جديد، بل ستتكرر الحروب بأسماءٍ وشعاراتٍ أخرى.
لقد آن الأوان لوطنٍ يساوي بين ريفه ومدينته، بين لغاته ولهجاته، بين نسائه ورجاله، بين شماله وجنوبه وغربه وشرقه. آن الأوان أن تتوارى عقلية الوصاية والاستعلاء، وأن تنهض دولةٌ تُبنى على المعرفة والعدالة لا على القهر والولاء. دولةٌ تؤمن بأن المواطنة ليست منحة من سلطة، بل حقٌّ أصيلٌ يولد مع الإنسان، وأنّ الدستور ليس ورقةً تُحكم بها الشعوب، بل عقد شرفٍ يُصان بالوعي الجمعي.
“ليس أخطر من الحرب إلا الجهل الذي أشعلها.”
في السودان الجديد الذي يتخلّق من رماد المأساة، لن يكون هناك مركزٌ يأمر وهامشٌ يطيع، ولا قبيلةٌ تستأثر بالمجد وأخرى تُلقى في الظلال. سيكون الوطن مساحةً متكافئة من الكرامة والحق، ينهض فيها الجميع من أجل الجميع. فالوطن الحقيقي لا يبنى بالسيطرة، بل بالتعايش؛ لا بالخطابات، بل بالأفعال؛ ولا بالشعارات، بل بالعدالة التي تردّ المظالم وتفتح الطريق إلى المستقبل.
ما يحدث اليوم هو امتحانٌ تاريخيٌّ للضمير الجمعي السوداني: إمّا أن نغرق جميعاً في تكرار المأساة، أو نُعيد بناء ذواتنا على أسسٍ جديدة من الاعتراف والتواضع الإنساني. ليس في هذا الامتحان غالبٌ أو مغلوب، فكل من يعيش في وطنٍ جريحٍ هو خاسرٌ حتى تلتئم الجراح بالعدالة.
السودان الجديد لا يُولد من القصور ولا من الخنادق، بل من قلوب الناس الذين عرفوا معنى الفقد، ومن عقولٍ آمنت بأنّ الوطن أكبر من سلطة، وأعمق من حدود، وأسمى من شعار.
ومن رماد الحروب التي أشعلتها النخب القديمة، سينهض السودان مجدداً:
سودان الحرية التي لا تُشترى، والعدالة التي لا تُجزّأ، والمساواة التي لا تُمنح بل تُستحق. سودانٌ يكون فيه الإنسان هو القيمة العليا، والوطن هو بيت الجميع دون استثناء.




