
سهيبه مريش
“القائد الحقيقي هو من يرى الوطن قبل أن يرى النصر.”
“السلام لا يبدأ بالهتاف، بل بالمساءلة والمسؤولية.”
الناظر إلى خطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس حكومة تأسيس بمناسبة تحرير مدينة الفاشر، يجد أنه ليس مجرد إعلان سياسي أو انتصار عسكري، بل وثيقة تحمل رسائل عميقة للرؤية الوطنية وللتحديات القادمة. فالخطاب جمع بين الوضوح في الرؤية، والمسؤولية الأخلاقية، والمصداقية في الطرح السياسي، ليقدّم رؤية شاملة لمستقبل السودان بعد مرحلة الحرب.
ركز دقلو على ملامح المرحلة القادمة، حيث رسم خطوطًا عريضة لدور كل المؤسسات والجهات المعنية في الدولة، مؤكدًا أن نجاح حكومة تأسيس يعتمد على التزام الجميع بمهامهم ومسؤولياتهم وفق تخصصهم. فقد شدد على أن الجيش مهمته حماية حدود الوطن، بينما تتولى الشرطة الفيدرالية الحفاظ على الأمن الداخلي، وأن جميع الإجراءات يجب أن تخضع لقواعد القانون والدستور.
كما تطرّق القائد إلى الأبعاد الإنسانية للحرب، مؤكّدًا أن المدنيين يمثلون خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن أي تجاوزات ستخضع للتحقيق والمساءلة. وقد أعلن عن تشكيل لجان للتحقق من أي انتهاكات، لتوضيح أن حماية حقوق الإنسان ليست شعارًا، بل أساسًا لبناء دولة عادلة ومستقرة.
وفي جانب آخر، أشار دقلو إلى أهمية إعادة بناء مؤسسات الدولة المختطفة وإرساء أسس جيش قومي موحد يخضع بالكامل للسلطة المدنية، مؤكّدًا أن النصر العسكري وحده لا يكفي لإرساء الاستقرار، وأن الدولة المستقبلية لا تبنى إلا عبر مؤسسات قوية وعدالة اجتماعية واضحة.
الخطاب لم يغفل بعد إعادة الإعمار والتنمية، إذ دعا القائد الجميع، بما في ذلك المنظمات المحلية والدولية، والشباب المدني، والقطاع الهندسي والعسكري، إلى المشاركة في إعادة الحياة إلى المدن المحررة، من تنظيف، نزع ألغام، وإعادة الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والمستشفيات، لتكون الفاشر بداية لمرحلة السلام والتنمية بعد الحرب الطويلة.
تأملات في الخطاب تكشف أن دقلو يقدّم رسالة مزدوجة: رسالة للداخل تُعيد الثقة بين الدولة والمواطن، ورسالة للخارج تُظهر أن السودان يتحرك نحو الاستقرار الديمقراطي والانسجام الوطني. الخطاب يعكس مبدأ أساسيًا، مفاده أن السلام والعدالة مؤسستا المستقبل، وأن القوة بلا أخلاق لا تعطي استقرارًا دائمًا.
“حين تتحد الإرادة مع القانون، يولد وطنٌ يليق بتضحيات شعبه.”
من هذا المنظور، يشكّل خطاب الفاشر وثيقة استراتيجية لرؤية حكومة تأسيس، تكشف كيف يمكن للقيادة الواعية أن تحوّل الانتصار العسكري إلى إنجاز سياسي وإنساني، وتضع الأسس لمستقبل السودان القائم على العدالة، السلام، والمؤسساتية.



