
جمعة حراز
لم تكن مجزرة مستشفى الضعين مجرد جريمة حرب مكتملة الأركان، بل كانت اختباراً قاسياً لضمير الإنسان في هذا العالم. وبينما كانت الأمهات يندبن فلذات أكبادهن، والكوادر الطبية تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط الركام، خرجت أصواتٌ مأزومة لتسخر من دماء الأطفال… في مشهدٍ يكشف حجم الانحطاط الذي بلغته بقايا منظومة الظلام.
إن التعليق الصادر عن أحد رموز النظام البائد، وهو يسخر من صورة طفلٍ قُتل بدمٍ بارد، لا يمكن قراءته كتصرفٍ فردي معزول، بل هو انعكاس مباشر لعقيدةٍ تشبّعت بالكراهية، وتغذّت على العنف، حتى فقدت أي صلةٍ بالقيم الإنسانية أو الأخلاقية. حين يصبح موت الأطفال مادةً للسخرية، فإننا لا نكون أمام خصومة سياسية، بل أمام خللٍ أخلاقي عميق يستوجب المواجهة والفضح والمحاسبة.
هذه اللغة المريضة ليست جديدة على تيارٍ ظلّ لعقود يوظّف الدين ستاراً لممارسة القمع، ويكافئ الولاء الأعمى على حساب الكفاءة والإنسانية. فالتاريخ الذي يلاحق مثل هذه الشخصيات ليس مجرد سجل وظيفي، بل سلسلة ممتدة من الانتهاكات، والفساد، واستغلال النفوذ، والارتهان لمصالح ضيقة، داخلية وخارجية، على حساب الوطن والمواطن.
لكن ما لم يدركه هؤلاء، أن الضعين لم تكن لحظة ضعف، بل لحظة انكشاف كامل. انكشفت فيها حقيقة من يستهين بالدم السوداني، ومن يرى في معاناة الأبرياء مادةً للتشفّي، ومن فقد القدرة على التمييز بين الإنسانية والعداء الأعمى. وفي المقابل، أظهرت الضعين الوجه الحقيقي لشعبٍ حيّ، ولأحرارٍ في الداخل والخارج هبّوا لنصرة الضحايا، رافضين هذا السقوط المدوي.
لقد تحولت صرخات الجرحى وأنين الأمهات إلى شهادة دامغة على زمن اختلت فيه الموازين، وأصبح فيه الضحية موضع استهزاء، والجريمة مادةً للتبرير. غير أن هذه اللحظة، بكل قسوتها، أعادت رسم الخط الفاصل بين من يقف مع الإنسان، ومن يتاجر بدمه.
إن نداءات الاستغاثة التي خرجت من تحت الأنقاض لم تكن مجرد صرخات ألم، بل كانت دعوةً صريحة لأحرار العالم:
أن قفوا مع الحق،
أن احموا المدنيين،
أن لا تتركوا الجريمة تمرّ بلا حساب.
فالصمت هنا ليس حياداً، بل تواطؤ. والتغاضي ليس حكمة، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار المأساة، وإطالة أمد الألم الذي يعيشه الأبرياء.
إن الضعين اليوم لا تطلب تعاطفاً عابراً، بل موقفاً واضحاً يضع حداً لهذا العبث، ويعيد الاعتبار لقيمة الإنسان وكرامته. أما أولئك الذين سخروا من الدماء، فقد سقطوا أخلاقياً إلى دركٍ لن تُنقذهم منه مناصب، ولا تحالفات، ولا تاريخٌ مزعوم.
رحم الله أطفال الضعين، الذين فضحوا ببراءتهم زيف القتلة، وأيقظوا بدمائهم ضميراً كان على وشك أن يغفو.
وستظل أصواتهم، رغم الغياب، أعلى من كل سخرية… وأبقى من كل زيف.




