رأي

الحركات العرقية المسلحة تتحمل مسؤولية مأساة الفاشر: حركات الارتزاق التي باعت دارفور

دكتورة فاطمة الزين الغالي .. كاليفورنيا

 

د. فاطمة الزين الغالي – كالفورنيا

ما حدث في الفاشر لم يكن قدرًا ولا صدفة عابرة في تاريخ دارفور، بل كان نتيجة مباشرة لسلوك أرعن مارسته الحركات العرقية المسلحة التي زعمت الدفاع عن الإقليم، بينما كانت في الحقيقة تسوق أبناءه إلى المحرقة بوعيٍ تام أو بعمى سياسي مقصود.

الفاشر –تلك المدينة التي كانت مرآة لكرامة الإنسان الدارفوري وصبره– أصبحت اليوم جرحًا نازفًا في جسد السودان، دفعت ثمن خيانة النخب العرقية المسلحة التي استبدلت رايات النضال بشعارات الارتزاق، وتحولت من قوى تدّعي الثورة إلى أدوات في أيدي قوى المركز ومشروعاته العسكرية المدمّرة.

لقد حاول الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) أن يفتح صفحة جديدة لدارفور بعد ثورة ديسمبر المجيدة، فسعى بكل ما يملك إلى جمع هذه الحركات على طاولة واحدة، مؤمنًا بأنّ السلام هو الطريق الوحيد لإنهاء دوامة الدم التي أنهكت الإقليم منذ 2003.

وفي عام 2019، التقى حميدتي في إنجمينا برئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي وممثل حركة العدل والمساواة، تحت رعاية تشادية واضحة. كان الهدف بسيطًا ومباشرًا: إدخال هذه الحركات في عملية سلام جادة تُعيد دارفور إلى مسار الدولة.

غير أنّ تلك القيادات –التي اعتادت العيش على صدى البنادق– لم تكن تبحث عن سلامٍ بقدر ما كانت تبحث عن صفقاتٍ سياسية ومواقع سلطة، تضمن استمرار امتيازاتها ومنافعها الشخصية.

ثم جاء اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020، الذي وفر لهذه الحركات ما لم تحلم به من مشاركة في الحكم والثروة والتمثيل الرسمي. لكنّها، بدلاً من أن تُترجم هذا المكسب إلى مشروع وطني جامع، أفسدت الاتفاق من داخله، وسخّرته لبناء جيوشها الخاصة وتكريس نفوذها في الإقليم، في وقتٍ كان فيه المواطن الدارفوري يلهث وراء الأمن والغذاء والدواء.

لم تفهم هذه الحركات أنّ السلام مسؤولية لا غنيمة، وأنّ توقيع الاتفاق ليس نهاية الحرب، بل بداية اختبار حقيقي للالتزام الوطني. وها هي النتيجة اليوم: معارك لأكثر من عامين وأصبح شعبها يدفع ثمن غباء قيادات اختارت طريق الخيانة.

حين اندلعت حرب الإخوان المسلمين ضد الدعم السريع في أبريل 2023، كان موقف حميدتي واضحًا: لا تُجرّ دارفور إلى معركة ليست لها فيها مصلحة. لكنه وجد نفسه أمام حركات قررت أن تبيع الإقليم في سوق الولاءات، واختارت هذه الحركات الاصطفاف مع الجيش ومراكز السلطة في الخرطوم، متناسية أنّ من أعادها إلى الخرطوم وفتح لها أبواب المشاركة السياسية هو ذاته الرجل الذي تطعنه اليوم في الظهر.

لقد خانت هذه الحركات عهدها، وتنكرت لدماء شهدائها، وقررت أن تكون أداة في حرب لا تخص دارفور، فأعادت إلى الإقليم أهوالاً ظنّ الناس أنها انتهت إلى الأبد.

إنّ ما جرى في الفاشر يوم 26 أكتوبر الماضي لم يكن إلا الحصاد المرّ لخيانة سياسية مكتملة الأركان. فمن الذي أدخل المدينة في أتون الحصار؟ ومن الذي استجلب الموت إلى أحيائها وأسواقها ومستشفياتها؟ إنهم ليسوا الغرباء ولا القادمون من وراء الحدود، بل أولئك الذين باعوا قضيتهم في سوق السياسة السودانية بثمنٍ بخس، وتزينوا بخطاب الهوية والعرق ليمرروا صفقات القتل والتدمير.

لقد آن لدارفور أن تسمي الأشياء بأسمائها. وان ما يسمى بـ“القوات المشتركة” ليس إلا تحالفًا عرقيًا هشًّا يقوم على وهم القوة وسوء التقدير. هذه المجموعات لم تكن يومًا مشروعًا لتحرير الإنسان الدارفوري، بل كانت مشروعًا لتكريس سلطات صغيرة على جماجم الأبرياء.

ولو كانت هذه الحركات صادقة في نواياها، لكانت التزمت بالحياد حين أعلنت اول مرة، بل حميدتي نفسه حيا هذا الموقف، لكنها آثرت أن تكون رمحًا بيد قوى المركز التي طالما ادعت محاربتها.

إنّ معاناة الفاشر اليوم ليست قدرًا سماويًا، بل جريمة سياسية صنعها تحالف الغباء والأنانية.

كل طفلٍ قُتل هناك، وكل أمٍ بكت على أبنائها، وكل شيخٍ دفن جاره بيديه، هم جميعًا ضحايا لحركاتٍ ضيّعت بوصلتها الأخلاقية، ودفعت دارفور إلى الهاوية باسم النضال.

إنها حركات الارتزاق المسلح التي لبست ثوب التحرير ورفعت راية العدالة، بينما كانت في جوهرها أدوات تخريبٍ وفوضى، لا تختلف عن المليشيات التي طالما نددت بها.

اليوم، على أهل دارفور أن يدركوا أنّ عدوهم الحقيقي ليس في المركز وحده، بل في هذه القيادات التي باعتهم مرتين: مرة حين وقّعت اتفاق السلام لتقبض ثمنه، ومرة حين عادت لتشعل الحرب دفاعًا عن مصالحها الضيقة. لقد آن للأجيال الجديدة أن تغسل يدها من هذا الإرث الملوث، وأن تبني دارفور جديدة لا تعرف العرقية ولا المليشياوية، دارفور تنتمي للسودان لا للحروب الأبدية.

وإذا كان التاريخ سينصف أحدًا في هذه المرحلة، فلن ينصف من أشعل الحروب، بل من دعا إلى السلام وتحمل مسؤولية بناء الدولة حين تخلى عنها الآخرون. كما ان الفاشر اليوم تبكي، لا لأنها هُزمت، بل لأنها خُدعت بأبنائها. خُدعت بشعارات الحركات العرقية التي وعدتها بالحرية فجلبت إليها الجحيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!