رأي

الحركات العرقية المسلحة تتحمل مسؤولية معاناة أهلنا في الفاشر: إنما قتله من جاء به

عباس أحمد السخي

 

 عباس أحمد السخي

حين قُتل الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضي الله عنه في معركة صفين، قال بعض الصحابة لمعاوية بن أبي سفيان: «ويحك يا معاوية، أتقتل رجلًا قال عنه رسول الله ﷺ: تقتله الفئة الباغية؟»، فأجاب معاوية: «إنما قتله من جاء به».

تلك المقولة التاريخية تبدو اليوم وكأنها تعيد نفسها في مشهد المأساة التي تعيشها مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، والتي شهدت العامين الماضيين إلى السادس والعشرين من أكتوبر الجاري واحدة من أعنف فصول الصراع السوداني الراهن.

ما حدث في الفاشر لم يكن معزولًا عن السياق العام للحرب في السودان، ولا عن الدور الذي لعبته الحركات العرقية المسلحة التي عرفت لاحقًا بـ“القوات المشتركة”. فهذه الحركات، التي نشأت في الأصل تحت شعارات العدالة والمشاركة السياسية، تحولت بمرور الزمن إلى أدوات في صراع السلطة بين المركز والهامش، ثم إلى أطراف فاعلة في إعادة إنتاج الأزمة ذاتها التي خرجت ضدها يومًا ما.

بعد ثورة ديسمبر المجيدة، بذل الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) جهودًا واسعة لدمج هذه الحركات في مسار السلام، إيمانًا منه بأن تحقيق الاستقرار في دارفور لا يمكن أن يتم إلا عبر تسوية شاملة تُنهي الحرب وتفتح باب المشاركة السياسية أمام الجميع. وفي هذا الإطار، التقى حميدتي في إنجمينا عام 2019 برئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي وممثل حركة العدل والمساواة، بوساطة تشادية، حيث تم التوافق على ضرورة التهدئة والانخراط في عملية تفاوضية جادة.

وقد تكللت هذه المساعي لاحقًا بتوقيع اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020، وهو الاتفاق الذي منح الحركات المسلحة مشاركة واسعة في مؤسسات الحكم الانتقالي، ونص على ترتيبات لإدماج قواتها في الجيش الوطني، وتقاسم الثروة والسلطة بما يضمن تمثيل أقاليم السودان بصورة أكثر عدالة. إلا أن تلك الحركات لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره مدخلًا للتحول من النضال المسلح إلى العمل السياسي المدني، بل ظلت تنظر إليه كآلية لتثبيت مواقعها في السلطة ومراكمة النفوذ.

عندما اندلعت حرب أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، اتخذ حميدتي موقفًا واضحًا دعا فيه إلى حصر الحرب في المركز وعدم جرّها إلى إقليم دارفور، حفاظًا على ما تحقق من السلام، وصونًا لأمن المجتمعات المحلية التي أنهكتها الصراعات السابقة.

لكنّ الحركات المسلحة اختارت خيارًا مغايرًا، إذ قررت بعد عام واحد فكّ الحياد والانخراط في القتال إلى جانب الجيش، مدفوعة بحسابات سياسية وعرقية ضيقة، ومتناسية أنّ من منحها فرصة المشاركة في مؤسسات الحكم هو ذات الرجل الذي أصبحت اليوم تقاتله.

إنّ ما جرى في الفاشر كان النتيجة المباشرة لهذا التحوّل الخطير. فقد وجدت المدينة نفسها محاصرة بين نيران التحالفات المتبدلة ومشاريع السيطرة العسكرية، فيما دفع المدنيون الثمن الأكبر من دمائهم وأمنهم ولقمة عيشهم. لقد تسببت الحركات العرقية المسلحة –من حيث تدري أو لا تدري– في إدخال الإقليم مجددًا في دائرة الصراع، بعدما كان على وشك الخروج منها. وبذلك، فإنها تتحمل قسطًا وافرًا من مسؤولية الكارثة الإنسانية التي عاشتها الفاشر على مدى أكثر من عامين من الحرب والحصار.

من منظور استراتيجي، يمكن القول إنّ هذه الحركات أخفقت في تطوير رؤيتها بعد توقيع اتفاق السلام، إذ ظل خطابها أسيرًا للبعد الإثني والجهوي، وفشلت في الانتقال إلى مرحلة بناء تحالفات وطنية قائمة على المصالح المشتركة. كما أنها وقعت في فخ الاصطفاف مع قوى المركز التي طالما اتهمتها بالتهميش، لتصبح بذلك أداة في مشروع سياسي يعيد إنتاج الأزمة نفسها التي ادّعت محاربتها.

إنّ الفاشر اليوم ليست فقط مدينة منكوبة بالحرب، بل رمز لفشل النخب العسكرية والسياسية في إدارة التنوع، ولعجز الحركات المسلحة عن التحول من حركات مطلبية إلى مؤسسات سياسية مسؤولة. فالمأساة التي يعيشها أهل دارفور لم تصنعها البنادق وحدها، بل صنعتها الحسابات الضيقة التي جعلت هذه الحركات تنسى جذور قضيتها، وتستبدل مشروع العدالة الاجتماعية بمشروع السيطرة العرقية.

وبهذا المعنى، فإنّ المقولة التي قالها معاوية قبل قرون –«إنما قتله من جاء به»– تجد صداها في واقعنا المعاصر: فـمن قتل أهل دارفور ليس من رفع السلاح ضدهم، بل من جرّهم إلى أتون حرب لا تخصهم، ومن وضعهم في مسار سياسي أفضى إلى دمار مدنهم ومعاناة شعبهم.

لقد آن الأوان لإعادة قراءة تجربة الحركات المسلحة بعيون نقدية، تتجاوز العاطفة الثورية إلى التحليل الموضوعي لمسارها السياسي والعسكري، بهدف استخلاص الدروس التي تمنع تكرار المأساة.

فلا مستقبل لدارفور –ولا للسودان كله– ما لم يتحرر من أسر الهويات القاتلة، ومن سطوة الخطابات العرقية التي تتخفى وراء شعارات العدالة، بينما تنتهي دائمًا إلى إنتاج الظلم بأشكال جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!