رأي

العقلية الاحتكارية المهيمنة: التحدي الأكبر أمام بناء سودان العدل والتنمية

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش… نيالا

يمثل المشهد الحالي في السودان تراكمًا لعقود من الإخفاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتي ساهمت فيها عوامل طبيعية وبشرية معقدة، لكن العقلية الاحتكارية المهيمنة تظل أبرز الأسباب التي أعاقت بناء دولة عادلة وشاملة.

تتمثل هذه العقلية في التركيز على السيطرة والاحتكار للسلطة والموارد والمصالح الخاصة، على حساب المجتمع ككل. هذا النهج أدى إلى تهميش فئات كبيرة من الشعب، وعرقلة التنمية، وزرع التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين المواطنين. لقد لعبت هذه العقلية دورًا محوريًا في تشكيل المشهد السياسي المعقد منذ خروج الاستعمار قبل أكثر من سبعين عامًا، حيث سيطرت نخبة محدودة على القرار السياسي والاقتصادي، مستخدمة العنف والتسلط للحفاظ على مصالحها.

نتيجة لذلك، نشأ نظام طبقي، وبرزت مظاهر التهميش والفقر، التي كانت سببًا رئيسيًا في اندلاع الثورات والصراعات القبلية المتكررة. العقلية الاحتكارية تقوم على الطمع والجشع، حيث يسعى أصحابها لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الآخرين، متحدين بحق كل فرد في الانتماء والاستفادة من الموارد المشتركة. وقد ساهم الفساد في تعزيز هذه العقلية، من خلال استغلال النفوذ والمناصب للسيطرة على الثروات والمقدرات العامة، بينما يبقى الوعي المجتمعي حول العدالة والمساواة محدودًا.

تنعكس آثار هذه العقلية على المجتمع بصورة واضحة، حيث يؤدي التهميش إلى تفشي البطالة والفقر، وتفاقم الانقسامات الاجتماعية، وخلق بيئة صراعية بين الفئات المختلفة. كما يؤدي التركيز على مصالح فئة معينة إلى تأخر التنمية الشاملة، وحرمان الأفراد المنتجين من فرص المشاركة الفعالة في العملية التنموية، وهو ما يعكس اختلالًا في ميزان العدالة الاقتصادية والاجتماعية.

اليوم، تمثل الحكومة الانتقالية فرصة حقيقية لكسر هذه العقلية المهيمنة، والحد من تأثيراتها السلبية على التحول الديمقراطي. يمكن تحقيق ذلك من خلال تبني سياسات واضحة لتعزيز العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد بكل أشكاله، ومحاسبة كل من يستغل موقعه للهيمنة على الموارد والسلطة. ويكتمل هذا الجهد عبر تعزيز الوعي بأهمية المساواة والعمل الجماعي، وتشجيع ثقافة المشاركة المجتمعية لتحقيق المصالح العامة دون تمييز.

إن مواجهة العقلية الاحتكارية المهيمنة ليست مجرد خيار سياسي، بل هي ضرورة وطنية لإعادة بناء المجتمع على أسس العدالة والمساواة، وتمهيد الطريق لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. فالنجاح في ذلك سيؤدي إلى بناء مجتمع أكثر تماسكًا وعدلاً، قادر على الاستفادة من موارده المتنوعة، ومواكبة مسيرة الحداثة والتطور، وتحقيق حلم سودان الحرية والديمقراطية الذي طال انتظاره.

“العدالة أساس السلام، والهيمنة طريق إلى الفوضى.”

“من يهيمن على الآخرين، يهيمن على مصيره أولاً.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!