
عبدالرحمن أبو رندة… بنسلفانيا
تعيش الساحة الفكرية السودانية حالة من الارتباك بين من يقرأ الماضي بعين التمجيد، ومن يقرؤه بعين النقد والمراجعة. وبين هذين الطرفين يضيع صوت الحقيقة الذي يجب أن يواجه الوقائع كما هي لا كما يريدها أصحاب الأقلام اللامعة.
لقد صار بعض الكتّاب، عن قصد أو بدونه، يحنّون إلى أنظمة سقطت، وإلى أفكار لفظها الناس بعد أن ذاقوا مرارتها.
في هذا السياق، يمكن ملاحظة ميل بعض المثقفين إلى إعادة تلميع حقبٍ مظلمة من تاريخ السودان السياسي، وكأن إعادة تدوير الخطاب القديم قادرة على إنقاذ الحاضر من أزماته. هؤلاء يكتبون اليوم بلغة الماضي، ويستدعون سرديات “المجتمع الرسالي” و“المشروع الأخلاقي”، بينما يعرف السودانيون أن تلك الشعارات كانت جسرًا إلى القهر لا إلى النهضة.
فلا يُمكن لحركةٍ بنت سلطتها على الإقصاء أن تتحول فجأة إلى مثالٍ للتسامح، ولا يمكن لمن صادروا الحرية باسم الدين أن يصبحوا دعاة تنوير.
إن السودان اليوم بحاجة إلى فكرٍ جديد، لا إلى دفاترٍ قديمة.
فالتاريخ ليس صندوقًا للذكريات، بل معملٌ لاختبار الأخطاء.
ومن يصر على اجترار الماضي، إنما يرفض أن يرى حجم التحول الذي أصاب الوعي الجمعي السوداني بعد ثوراتٍ وحروبٍ ومآسٍ جعلت الناس أكثر إدراكًا لقيمة الحرية والعدالة.
لقد أثبتت التجارب أن النخب التي حكمت السودان لعقود طويلة فشلت في بناء دولة المواطنة المتساوية، لأنها ظلت أسيرة تصورٍ مركزي يرى الوطن من نافذة العاصمة، وينظر إلى الأطراف كتوابع لا شركاء.
وما لم يتحرر العقل السوداني من هذه المركزية، سيظل يعيد إنتاج الأزمة بأسماء وشعارات جديدة.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس السلاح وحده، بل السرديات التي تُعيد إنتاج الهيمنة عبر الثقافة.
حين يكتب المثقف بلغة التبرير، فهو يضع قلمه في خدمة الاستبداد، حتى لو لبس ثوب الحكمة والاعتدال.
وكما قال أحد المفكرين: “إن الصمت أمام الظلم مشاركة فيه، أما تبريره فخيانة للضمير.”
السودان، وهو يعيد رسم ملامحه في زمن الانقسام، يحتاج إلى فكرٍ يؤمن بالمواطنة لا بالوصاية، بالعدالة لا بالانتقائية، وبالتعدد لا بالهيمنة.
فالمستقبل لا يُبنى بالحسرة على الماضي، بل بجرأة الاعتراف بأخطائه.
ولعل اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من ألم، هي فرصة لإعادة تعريف معنى أن نكون سودانيين بعيداً عن هوس “المركز” وغواية “الطهر السياسي”.
لقد آن الأوان أن نفهم أن الوطن ليس معركة بين أجيال، بل حوارٌ دائم بين ضميرٍ حيّ وذاكرةٍ لا تنسى.
وما لم يخرج المثقف من عباءة الانحياز للماضي، سيظل يكتب على هامش الحقيقة، لا في متنها.




