رأي

دوائر التاريخ المغلقة في السياسة السودانية

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

يبدو أن المشهد السوداني ما يزال يدور في حلقةٍ مغلقة، لا تعرف الاستقرار ولا تسمح بولادة نظام سياسي متوازن. فكل محاولة للتغيير سرعان ما تعيد إنتاج الأزمة ذاتها، لأن الصراع في جوهره ليس بين أشخاص أو أحزاب، بل بين رؤيتين للحياة: رؤيةٍ تقليديةٍ ترى في الماضي ضماناً للهوية والاستقرار، ورؤيةٍ حداثيةٍ تطمح لبناء دولة تقوم على العقل والمؤسسات والقانون.

هذه الثنائية القديمة بين “الحداثة” و”التقليد” لم تغب منذ لحظة الاستقلال، بل تجددت بأشكال مختلفة، وتحوّلت إلى انقسامٍ اجتماعي عميق بين المدينة والريف، بين المتعلّم والشيخ، وبين من يرى الوطن مشروعاً مستقبلياً، ومن يراه امتداداً لتاريخ الأجداد. وفي خضم هذا التباين، فشلت النخب في إنتاج صيغةٍ وطنيةٍ جامعة تتجاوز الانتماءات الضيقة. فكل طرفٍ استقوى بحاضنته، وسعى إلى السيطرة لا إلى الشراكة، حتى تحولت السياسة إلى ساحة صراعٍ لا نهاية له.

لقد ظلّ حلم الدولة الحديثة في السودان مؤجلاً، لأن أدوات التغيير نفسها وُلدت من رحم التقليد. فالقوى التي رفعت شعارات الثورة على الماضي استعانت بالجيش للوصول إلى السلطة، وحين وصلت، وجدت نفسها محاصَرة بعلاقات الولاء القديمة التي لا تقوم على الكفاءة بل على العصبية والجهة والانتماء. وهكذا، تحولت الانقلابات العسكرية إلى جزءٍ من دورة السياسة السودانية، يدخل فيها الجميع بحماسةٍ، ثم يخرجون منها بخيبةٍ جديدة.

لكنّ أخطر ما في المشهد اليوم أن الدولة فقدت توازنها بين مؤسساتها المدنية والعسكرية. فقد تآكلت فكرة الجيش الوطني المهني، وتغلغلت المصالح الخاصة في مفاصل السلطة، حتى صار الولاء الشخصي بديلاً عن الانتماء للوطن. وتحوّلت البنادق إلى أدوات نفوذٍ لا لحماية البلاد بل لحماية الكراسي. في المقابل، ظلّت قوى التغيير المدنية عاجزة عن صياغة خطابٍ واقعي، إذ ظلت ترفع شعاراتٍ عالية دون امتلاك أدوات التنفيذ، وتتعامل مع الواقع بمنطق المثال لا الممكن.

إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس ثورةً جديدة، بل مصالحةً بين العقل والوجدان، بين المدينة والريف، بين الحداثة والتقليد. فالتاريخ لا يُلغى، لكنه يُعاد صياغته حين يُنظر إليه بعينٍ جديدة. الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر القطيعة مع الماضي، بل عبر إدماجه في مشروعٍ وطنيٍ شامل يُعيد الثقة بين الناس والدولة، ويُخرج السياسة من أسر الولاءات إلى رحاب الكفاءة والعدالة.

قد يكون ما يحدث الآن بداية مخاضٍ جديدٍ لا نرى نهايته بعد، لكنه – مهما طال – يؤكد أن السودان يبحث عن توازنه المفقود، وعن عقدٍ اجتماعيٍ يعترف بالجميع دون إقصاء. فحين تتصالح مكوّنات المجتمع مع ذاتها، لن تكون السلطة سوى نتيجةٍ طبيعيةٍ لعقلٍ جمعيٍ ناضج، لا غنيمةً تُتنازع عليها البنادق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!