رأي

حين يُبرِّر المثقف الخطيئة: انزلاق د. عبد الله علي إبراهيم في تبرئة الماضي

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

من المؤلم أن يتحول قلمٌ كان يُنتظر منه النقد والتبصير، إلى أداةٍ لتبرير القديم وتلميع رموزه، كما فعل د. عبد الله علي إبراهيم في مقالاته الأخيرة التي حاول فيها إعادة تدوير صورة الإسلاميين وتجميل ماضيهم المظلم.

لقد كان الأمل أن يكتب الدكتور بضمير الباحث الذي يُنقّب في الوعي الجمعي بحثاً عن الحقيقة، لا أن يتكئ على سردياتٍ تُبرّر القهر باسم الفكر، وتُعيد الحياة لخطابٍ لفظه الشعب بثوراته وتجاربه المرة.

فبدلاً من أن ينحاز إلى صوت الضحايا وإلى قيم العدالة، اختار عبد الله علي إبراهيم أن ينكفئ على خطابٍ يُعيد رسم صورة الإسلاميين كـ“حركة مجتمعية إصلاحية حاربت الديكتاتوريات”، وكأننا لا نعرف من هم، ولا ما فعلوه في حق الوطن والناس.

هذا التوصيف لا يعبّر عن قراءة علمية بقدر ما يعكس حنيناً إلى نموذج فكري انهار تحت وطأة الواقع، نموذجٍ ظلّ يرى في نفسه الوصيّ على المجتمع والعقل والدين معاً.

لقد قال عبد الله إن الإسلاميين “جعلوا من المجتمع ميداناً لدعوتهم” وإنهم “لم يعتزلوا الناس كما فعل غيرهم”، متجاهلاً أن هذا “الانغماس” لم يكن فعلاً تربوياً، بل غطاءً لاختراق مؤسسات الدولة والمجتمع، وإقامة دولة الولاء محل دولة القانون.

فكيف يمكن لمن بنوا منظومة الاستبداد، وقسّموا البلاد باسم الهوية والدين، أن يُقدَّموا اليوم في ثوب المصلحين؟

ثم مضى الدكتور إلى ما هو أخطر، حين قال إن الإسلاميين “لم يرتكبوا جناية لم يسبقهم إليها خصومهم”.

ذلك القول يُسقط من الذاكرة الوطنية أبشع الجرائم التي شهدها السودان في تاريخه الحديث: بيوت الأشباح، الاعتقالات التعسفية، إعدامات الضباط، تشريد الكفاءات، تكميم الصحف، وتشويه المجتمع باسم الفضيلة.

هذه ليست أخطاء عابرة بل سياسة ممنهجة سحقت الإنسان السوداني وأذلت كرامته.

إن خطيئة عبد الله علي إبراهيم الفكرية والأخلاقية لا تكمن في اختلاف الرأي، بل في تبرير الجريمة بلغة المثقف.

فالمفكر حين يختار أن يكون “شاهداً زوراً” باسم التاريخ، فإنه يشارك في اغتيال الذاكرة الجماعية.

ومن المؤسف أن يصدر هذا التجميل من باحثٍ عرفناه ناقداً للمركزية الثقافية والسلطوية الفكرية، فإذا به يسقط في ذات المطب الذي طالما حذّر منه.

إن المثقف لا يُقاس بكمّ ما يكتب، بل بوضوح ضميره.

ولذلك فإن ما كتبه الدكتور لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه تواطؤاً ناعماً مع الماضي، وتبريراً متأخراً لسلطةٍ لم تترك وراءها سوى الرماد.

لقد آن للمثقفين أن يتحملوا مسؤوليتهم الأخلاقية، وألا يجعلوا من التاريخ مسرحاً للتجميل الانتقائي.

فليس كل ما يُكتب فكراً، ولا كل ما يُقال نقداً.

بعض الكلام لا يُنقذ الماضي، بل يَغرق فيه.

وما من خيانةٍ أخطر من أن يُغسل وجه الاستبداد بالحبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!