
نجم الدين دريسة
منذ فجر الاستقلال ظل السودان يعيش مخاضاً طويلاً في سعيه لتحديد هويته، ذلك السؤال الذي لم يفقد سخونته رغم مرور العقود: من نحن؟ أأمةٌ عربية اللسان؟ أم أفريقية الجذور؟ أم نحن كيان ثالث، يملك من الاثنين بقدر ما يضيف إليهما من فرادته الخاصة؟ في الإجابة عن هذا السؤال تتقاطع الرؤى وتتباين الاتجاهات، لكن يظل هناك مسار جديد يتشكل ببطء وثبات، هو ما يمكن تسميته بالسودانوية، أي الوعي بالهوية السودانية بوصفها هوية جامعة، وليست مزيجاً متناقضاً من عناصر متنافرة. السودانوية ليست شعاراً بديلاً للعروبة أو للأفريقية، بل هي مشروع وطني لإعادة تعريف الذات السودانية من داخل تجربتها الخاصة، لا من خلال مرايا الآخرين.
يقال إن من لا يعرف نفسه يضيع بين الآخرين، وهكذا كان حال السودان، إذ ظل يتأرجح بين انتماءين، أحدهما يمده بوشائج الدين واللغة والثقافة، والآخر يربطه بالدم والتاريخ والجغرافيا. غير أن هذا الازدواج لم يكن بالضرورة لعنة، بل يمكن أن يكون ثروة حضارية لو أحسنّا قراءته واستثماره. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي وتنوعه الإثني والثقافي، هو ملتقى وامتداد، لا حدٌّ ولا جدار. ومن هنا فإن السودانوية تأتي لتعبّر عن هذا الامتداد، لتجعل من التعدد مصدر قوة لا سبب فرقة.
لقد حاولت بعض التيارات الفكرية في فترات سابقة أن تفرض على السودان نموذجاً أحاديّاً للهوية يقوم على العروبة والإسلام بوصفهما المكونين الحاكمين للذات الوطنية، متجاهلة المكوّن الأفريقي بتعدده الثقافي والحضاري. غير أن التجربة أثبتت أن الهوية لا تُفرض من أعلى، ولا تُختزل في دين أو لسان واحد، وإنما تتشكل من التفاعل الحرّ بين مكونات المجتمع، ومن الاعتراف المتبادل بينها. فالهوية، كما قال أحد الحكماء، لا تُبنى بالإنكار بل بالاعتراف.
السودانوية ليست رفضاً للعروبة ولا للإسلام، وإنما هي سودنة لهذين المكونين؛ أي إعادة إنتاجهما في السياق المحلي بما ينسجم مع المزاج السوداني وتاريخه الطويل في التفاعل مع الثقافات. فالعروبة التي عرفها السودان لم تكن تكراراً لما هو في المشرق، ولا الإسلام الذي احتضنه كان نسخة مكرورة مما في الحجاز أو القاهرة، بل صاغ السودانيون تجربتهم الدينية والثقافية بروحٍ فريدة تمزج بين الصوفي والعامي، بين الفقيه والشاعر، بين القرآن والطبل. وكما قيل، الثقافة التي لا تعيد خلق نفسها تموت في غربة ذاتها.
إن السودانوية بهذا المعنى هي مشروع وطني لتجاوز الثنائيات التي أنهكت الفكر السوداني: عربي أم أفريقي؟ مسلم أم غير مسلم؟ شمالي أم جنوبي؟ فبدلاً من هذه التقسيمات الضيقة، تطرح السودانوية تصوراً للهوية يقوم على مبدأ التعدد المتكامل، حيث يتسع الوطن للجميع دون أن يُقصي أحداً. فالسودان، في جوهره، ليس وحدة مصمتة، بل فسيفساء جميلة من الأعراق والثقافات واللغات والمعتقدات. وتماماً كما أن النيل لا يكتمل إلا بروافده، كذلك لا يكتمل السودان إلا بكل أبنائه.
إن فشل المشاريع السياسية المتعاقبة في تحقيق وحدة وطنية راسخة لم يكن سببه فقط الصراع على السلطة، بل أيضاً غياب رؤية جامعة للهوية. حين تُقصي الدولة بعض مكوناتها الثقافية أو تُنكر حقها في التعبير، فإنها تهدم الجسر الذي يربط بين المواطن والوطن. السودانوية تسعى إلى ترميم هذا الجسر، بتأسيس وعيٍ جديد يقوم على المساواة الثقافية والاعتراف المتبادل. وهي بهذا المعنى ليست مجرد مفهوم فكري، بل مشروع وطني لإنقاذ السودان من انقساماته القديمة، ولإعادة بناء وحدته على أساس التنوع.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن العروبة في السودان لا تنفصل عن أفريقيته، وأن الإسلام فيه لا يكتمل إلا بتسامحه وروحه الصوفية التي عرفت التعدد قبل أن تعرف الصراع. فالسودان لا يحتاج إلى أن يختار بين الشرق والغرب، ولا بين العروبة والأفريقية، بل يحتاج إلى أن يكون نفسه. وكما قال أحد المفكرين، أن تكون نفسك أعظم من أن تكون شبيهاً بأحد.
في جوهر السودانوية أيضاً بعدٌ حضاري، إذ إنها لا تتوقف عند حدود الهوية الثقافية، بل تمتد إلى مشروعٍ للنهضة. فحين يدرك الناس أنفسهم كجماعة واحدة رغم اختلافاتهم، يصبح بإمكانهم أن يؤسسوا لمستقبلٍ مشتركٍ مبني على احترام التنوع والعدالة والمواطنة. السودانوية بذلك ليست مجرد فكرة ثقافية، بل رؤية سياسية وأخلاقية ترى في الاختلاف مصدرَ إبداع، وفي الحوار طريقَاً للسلام. فهي تقول بوضوح: لا خلاص لأحدٍ من دون الجميع، ولا وطن بلا عدالةٍ تشمل الكل.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً بسبب غياب هذا الوعي. فالحروب الأهلية، والانقسامات الجهوية، والنزعات الانفصالية كلها كانت أعراضاً لمرضٍ أعمق هو غياب الإحساس بالمشترك الوطني. والسودانوية جاءت لتكون الدواء لهذا المرض، إذ تزرع في الوجدان أن الاختلاف لا يعني التنافر، بل يعني أننا نملك أكثر من طريقة واحدة للحياة.
وفي هذا السياق، يصبح على المثقف السوداني مسؤولية تاريخية في بلورة هذا الوعي الجديد، فالثقافة ليست ترفاً فكرياً بل أداة لبناء الأمة. والمجتمع الذي يدرك قيمته الحضارية هو وحده القادر على مقاومة التشظي والانقسام. السودانوية إذن هي دعوة للعودة إلى الذات، ولكن لا للانغلاق فيها، بل للانطلاق منها نحو إنسانيةٍ أرحب. إنها تذكير بأن السودان ليس تابعاً لعالمٍ عربيٍ أو أفريقي، بل شريكٌ فيهما، يُغنيهما من تجربته، لا يستمد وجوده منهما.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في ختام هذا الحديث هو ما أورده أحد المفكرين السودانيين: السودان ليس جسراً بين عالمين، بل عالمٌ قائمٌ بذاته، تتلاقى فيه الثقافات كما تتلاقى مياه النيلين. في هذا القول تتجسد روح السودانوية بكل عمقها وبساطتها، فهي دعوة لأن نرى في اختلافنا جمالاً، وفي تاريخنا درساً، وفي تنوعنا وعداً بمستقبلٍ أفضل.
إن السودانوية ليست نظرية جامدة، بل حكاية وطنٍ يبحث عن ذاته وسط العواصف. وهي في نهاية المطاف ليست نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية نحو بناء وطنٍ يسع الجميع، يعتز بدينه ولغته، ويفخر بأفريقيته، ويحتضن أبناءه على اختلاف ألوانهم ولهجاتهم. فالوطن ليس أرضاً نسكنها، بل فكرة تسكننا.
بهذا الوعي، يمكن للسودان أن ينهض من رماده، وأن يصوغ هويته بيده، لا بقلم غيره. تلك هي رسالة السودانوية: أن نكون أنفسنا، وأن نُحب هذا التعدد الذي يسكننا، لأنه هو سرّ وجودنا، ومعنى بقائنا.




