
نجم الدين دريسة
على مدار عشرات السنين، وعبر كل منعطف من تاريخ السودان، تتكرر ظاهرة محيرة: النخب التي يُفترض أن تقود الأمة نحو التطور والبناء تظل أسيرة عقلية الوكلاء والموروث الاستعماري، تعيد الأخطاء نفسها، وتعيد إنتاج الفشل. الحروب المتعاقبة، الكوارث الإنسانية، ونهب الثروات، لم تمنع هذه النخب من الانغماس في ذات المنطق السياسي والاجتماعي القديم، كأن الزمن لم يمر عليها.
من لا يدرس التاريخ محكوم عليه بإعادة أخطائه. الحقيقة تكاد تتجسد يوميًا في المشهد السوداني. النخب، بغض النظر عن تخصصها أو موقعها في المجتمع، ما زالت تفكر بعقلية الوكلاء الذين جُعلوا أداة لخدمة مصالح خارجية أو لاستدامة مواقعهم الذاتية على حساب الوطن. الحروب المتكررة لم تغيّر شيئًا؛ لا من التفكير الاستراتيجي، ولا من فهم طبيعة الصراع الوطني، ولا من إدراك ضرورات حماية الشعب والوطن.
اليوم، نجد أن النخب السودانية الأكاديمية والصحافية والسياسية تقف أمام الصراعات الراهنة، تحلل وتفسّر وتصدر أحكامًا أخلاقية وقيمية وكأنها تشاهد مشهدًا مسرحيًا باردًا، بدل أن تفهم جذور الأزمة ومآلاتها الحقيقية. إنها تحكم على المواقف الفردية والجماعية عبر منطق خاطئ: من يدعم طرفًا فهو وطني، ومن يعارضه فهو عدو. وكأن الوطن لعبة يمكن تقييمها بألوان سياسية مزيفة.
العقل المغلق لا يرى إلا صورته في المرآة. النخب تظل تراها نفسها مركز الحقيقة، وتعتقد أنها وحدها تعرف مسار الصواب. لم ترّعها الحروب ولا المآسي الإنسانية التي خلفتها سنوات من الفشل المتعمد. كل ما يعنِيهم هو الحفاظ على مكانتهم وامتلاك الصوت الأعلى في الفضاء العام، دون تقديم أي حلول واقعية، أو حتى الاعتراف بأن الدولة نفسها فشلت في تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة لمواطنيها.
ازدواجية المعايير عند هذه النخب مذهلة. تندد بالدمار والفوضى وتستهجن العنف، لكنها تتجاهل كيف أن منظومة الحكم، عبر مؤسساتها العسكرية والمدنية، كانت السبب في تكريس سياسات التهميش والظلم المنهجي، وتكرار الحروب، ونهب الموارد، وتشريد السكان. وكأنها لم تتعلم شيئًا من تجارب الماضي القريب أو البعيد.
من يلوم الآخرين على الفشل بينما يكرر أخطاءهم، ليس حكيمًا بل متواطئًا. النخب، برغم كل الحروب والانكسارات، لم تتغير. لم تضع استراتيجية لفهم جذور الانقسامات، ولم تحاول صياغة نموذج إداري أو اجتماعي جديد. حتى في الأزمات الحالية، ما زالت تحلل المشهد من زاوية سطحية، دون تفكيك الأسباب الحقيقية أو محاسبة الفاعلين التاريخيين والسياسيين الذين جعلوا الدولة مختلة وباتت الصراعات نتيجة حتمية لفشلها.
هذه العقلية لها أثر واضح على المجتمع، الذي يُترك ليواجه تداعيات الصراع وحده، بينما النخب تعيش في برجها العاجي، تراقب الأحداث من بعيد، وتصدر أحكامًا بالحق والباطل على هواها، دون اعتبار للواقع الذي يعيشه المواطنون.
القادة الحقيقيون يخلقون الفرص من الأزمات، أما الوكلاء فيعيدون إنتاج الكارثة. هذا السلوك النخبوي في السودان يجعل كل أزمة تتحول إلى فرصة لإظهار الذات، بدل أن تتحول إلى فرصة للإصلاح. كل حرب، كل كارثة، وكل مأساة إنسانية تصبح مادة للتنفيس الإعلامي والسياسي، دون أي إدراك حقيقي لدورهم في خلق هذه الأزمات أو تصحيح مسارها.
حتى في التحليل الأكاديمي والسياسي، يكررون مقاربات قديمة، يبررون الفشل، ويخفون الفساد، ويبررون الأخطاء التاريخية باسم الدولة أو النظام أو المشروع الحضاري، وكأن الدولة نفسها لم تُبنى على أسس مهتزة، وكأن الصراعات لم تنتج من فشلها المتكرر.
لا يكفي أن تعرف الخطأ، بل يجب أن تعمل على تصحيحه. هذه الحكمة بعيدة عن النخب السودانية التقليدية، التي تعيد تكرار أخطاء الماضي، وتستمر في إدارة الصراعات بنفس عقلية الوكلاء، دون أي رؤية وطنية حقيقية أو استراتيجيات إصلاحية.
النتيجة واضحة: الشعب يدفع الثمن، والحروب تتكرر، والدمار يستمر، والنخب تتفنن في تحليل الواقع دون أن تغيّره، وتكرر الفشل بلا حياء. ما يدهش هو كيف أن عقلية الوكلاء لم تتبدل رغم كل التاريخ الموثّق من معاناة وحروب ومجازر، وفشل الدولة في توفير الحد الأدنى من الأمن والحياة الكريمة.
من يعيش على أخطاء الآخرين، لن يصنع نجاحًا لنفسه. هذا ينطبق حرفيًا على النخب السودانية، التي أدمت كل ما يمكن أن يُبنى في السودان عبر عقود، ولا تزال تراهن على أساليب التفكير نفسها، وكأن السودان مشروعها الشخصي وليست وطنًا يجب أن يحميه ويطوره.
الوطن لا يُبنى بالخطابات الفارغة، بل بالعمل الحقيقي والمساءلة المستمرة. هذه هي الخلاصة التي ينبغي أن تعيد للنخب السودانية الاعتبار: أن توقف التكرار، وأن تتعلم من تاريخها، وأن تتحرر من عقلية الوكلاء التي قادت السودان نحو الفشل مرارًا وتكرارًا.
التاريخ لن يرحم من يكرر نفس الأخطاء، والشعب لن ينسى من صنع له الكوارث، ولا من عاش على وهم التحليل السطحي، وأوهام المساواة بين الفشل والنجاح. الحل يبدأ من العقل الوطني المستقل، والفهم الواقعي للمجتمع والتاريخ، والإرادة لتصحيح المسار، بعيدًا عن التزييف الإعلامي والأوهام الفكرية.




